31.7.18

عاكس خط: برنامج السخرية الأول في اليمن يتلاعب بأعصاب الحوثيين



من المستحيل أن تكونوا ممن يتابعون البرامج التلفزيونية اليمنية ولم تشاهدوا برنامج "عاكس خط" وهو اليوم في موسمه السادس، لمقدمه محمد الربع.


ينتظر الكثيرون مشاهدة حلقات برنامج عاكس خط كل رمضان منذ 2011، فقد عودنا محمد الربع أن يطل كل شهر بحزمة من الحلقات، كل واحدة تتناول موضوعاً سياسياً معيناً مرتبطاً بالواقع اليمني، مثل انقطاع رواتب موظفي الدولة أو تغيير مواقف السياسي عبدالعزيز بن حبتور بعدما غيّر تحالفه مع حكومة هادي وأمسى في صف جماعة الحوثيين لاحقاً.


حلقات "عاكس خط" خليط من تعليقات وتحليلات الربع على عدد من مقاطع فيديو مرتبطة بموضوع الحلقة الرئيسي، ويقدم كل ذلك بشكل ساخر تغلب عليه الكوميديا السوداء واللهجة اليمنية المحلية. تتضمن الحلقات أيضاً فقرة غنائية كوميدية يؤديها الربع مع عدد من أعضاء فريق البرنامج.


لا أريد أن أصف الربع بباسم يوسف اليمن، أو تريفور نواه (Trevor Noah) اليمن، حتى أُقرب الصورة وأجعل القارئ يتفهم جيداً ما يقوم به الربع. لا أريد ذلك لأني أدرك من مشاهدة الربع كيف أنه لا يريد أن يُقلد أحداً أو أي برنامج آخر، ولا يريد أن يتصنع بأي شيء حتى يفهمه من في المنطقة العربية أو العالم الغربي، فهو لم يتخلَّ عن كلمة "أشتي" (أريد باللهجة اليمنية) أو أي من حركاته المحلية البسيطة.






الربع يقدم المادة بمنظور محلي بحت، وبلهجة محلية يسعى من كل ذلك أن يجذب اهتمام الجمهور لمتابعته. وبهذا، عاكس خط هو من الشعب اليمني وإليه، في الداخل والخارج. هنا يكمن سر نجاح هذا البرنامج.


في بداية هذا العام أصدر موقع Global Influence من منظمة GDI Gottlieb Duttweiler Institute السويسرية، قائمة بأهم الشخصيات تأثيراً في العالم العربي لعام 2018 وكان الربع في المرتبة 22 من ضمن 117 شخصية. نلمس تأثير الربع بالتحديد على وسائل الإعلام الاجتماعي حيث له شعبية كبيرة. متى ما نشر الربع منشوراً أو غرد أو نشر فيديو من أعماله تنهال عليه اللايكات والتعليقات بالألوف وفي الأغلب يكتب المعلقون كيف أن أعماله تمثل بالضبط ما يريدون أن يقولوه.


وحسب رواية الربع فقد وصلته معلومات تغيد بأن الحوثيين يقتحمون مقاهي الإنترنت في صنعاء ويمنعون أصحابها من مشاهدة أو تحميل فيديوهات حلقات عاكس خط.

من موقع سري في اليمن بعد أن اضطر الربع الهرب من قمع الحوثيين، يعمل على أن تكون مواضيع حلقاته دائماً مستمدة من أحاديث البلد. فمثلاً اختار هذا الموسم الرمضاني أن يبدأ بحلقة عن الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي قُتل على يد الحوثيين في ديسمبر العام الماضي، وكانت الحلقة بعنوان "وين راحوا؟" وعبرت عما يريد الكثيرون قوله.

يخاطب الربع في الحلقة أنصار علي عبدالله صالح وكيف أنهم خذلوه لأنهم لم يقفوا بجانبه، لا وقت اغتياله أو حتى بعد وفاته. وأثارت هذه الحلقة جدلاً واسعاً وانقسم الرأي حيالها بين مع وضد.


برع الربع في شد انتباه جمهوره بفضل دراسته وخبرته. فقد درس الإخراج الإعلامي في جامعة صنعاء قُبيل ثورة ٢٠١١. ومع بداية الثورة نشر فيديو على اليوتوب كهاوٍ يعلق بطريقة فكاهية على تصريحات الناطق باسم حكومة علي عبدالله صالح آنذاك عبده الجندي، الذي عُرف أيضاً بأسلوبه الفكاهي وحظي باهتمام شعبي غير عادي.

يخبرني الربع كيف أنه استمد الإلهام من أسلوب الجندي، فأراد أن ينتج مادة إعلامية تتحلى بالبساطة والعفوية وروح النكتة، فهي التي تجذب العامة، كما كان يفعل الجندي.

ومنذ ذلك الحين، ثابر الربع على إصدار "عاكس خط" كل شهر رغم كل الصعوبات المادية ونقص التمويل، ورغم كل التغيرات الأمنية والسياسية التي عصفت ولم تزل تعصف بالبلاد. وبين العام والآخر حاول الربع أن يضيف برامج بعيدة عن فئة برامج السخرية، كبرنامج "صح النوم"، ولكنه لم يجد نفس الصدى الذي وجده عاكس خط.


أدرك الربع أهمية التركيز على إنتاج برامج معنية بالإعلام الساخر، فهي التي تشفي غليل المواطن اليمني، حسب ملاحظته. لم يكن بالأمر السهل إنتاج حلقات عاكس خط. في ظل قمع حرية التعبير والصحافة في اليمن دفع الربع ثمن تحديه لقمع السلطة والمليشيات. إذ تلقى تهديدات بالقتل وتمت مهاجمة منزله بالرصاص ومحاولة خطف أخته.


وأيضاً نال فريق عمل عاكس خط مضايقات كثيرة. وقد عمل الفريق على أن ينتج كل موسم رغم كل الصعوبات. واضطر أن يسافر في داخل اليمن، متخفياً. وهو يتخذ اليوم من غرفة صغيرة مكتباً واستديو، يتم فيها تأليف وتصوير حلقات عاكس خط. ويجد البرنامج الدعم من قناة يمن شباب التي تبث برامجها من مكاتبها في الأردن وتركيا، وعلى موقعها على اليوتيوب.


مسيرة الربع تلخص مسيرة الإعلام اليمني الذي يحاول أن يكون مستقلاً، والذي ولد من رحم ثورة 2011. منذ بدايته حتى اليوم يوظف الربع طاقاته الإبداعية في نقل صورة عن الواقع السياسي والاجتماعي في اليمن على الشاشة.


بين نكتة هنا وهناك عن مأساة شعب اليمن، يجد المواطن اليمني أن الربع يدعوه للضحك على أوجاعه. يقول: "كل البرامج تناقش القضايا الإنسانية والأمنية في اليمن، وتذكر اليمنيين بالمجاعة والكوليرا ولكن المواطن اليمني نسى أن يضحك، وهذا ما نحاول أن نفعله في عاكس خط وهو أن نذكره بأن يضحك وأن يسخر من جراحنا وسط البكاء والعويل."


عاكس خط ليس البرنامج الوحيد الساخر في اليمن اليوم، لكن أكثر ما يميزه هو أنه لا يحرض على العنف أو الطائفية، بل بالعكس، يدعو للتحليل النقدي وتعزيز الشعور الوطني. من الجلي أن الربع ضد جماعة الحوثي في طرحه، ولكن من تابعه جيداً من بداياته، يدرك أنه كان ولا يزال ضد الاستبداد وضد أي سلطة تستغل صلاحياتها لتقهر شعبها. هنا أجد روح ثورة 2011 في كل ما يصبو الربع إليه.

__________________________________________________
كاتبة المقال: أفراح ناصر
نُشر المقال أولاً على موقع رصيف٢٢ - مايو ٢٠١٨ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.