31.7.18

نساء اليمن: صناعة الفن في زمن الحرب



*قد يبدو الحديث عن الحراك الفني اليمني، ناهيك الحديث عن الحراك النسائي بالتحديد، في مرحلة تشهد فيها اليمن أكبر كارثة إنسانية أمر ليس في أوانه. فقد مرت أكثر من أربعة أعوام على بداية حرب اليمن، والمأساة الإنسانية تهدد حياة أكثر من 22 مليون شخص، سواءً من رجال أو نساء أو أطفال. هناك شحّ في التغطية الإعلامية لما يجري في اليمن، ومتى ما كانت هناك تغطية إعلامية فنجد ان القصص الإنسانية عن المجاعة والأمراض تعطى الأولوية. إذاً، في زمن المجاعة والكوليرا والدمار وتشظّي المجتمع اليمني، ماذا يعني لو تحدثنا عن الحراك الفني اليمني النسائي؟

فكيف لا و المبدعات اليمنيات من مخرجات، ورسامات وكاتبات وأخريات أخذن على عاتقهن التعبير عن ألم مجتمعهن والدفاع عن قضية الإنسان بشكل مستقل عن سيطرة السلطات.

والحق يقال، بعكس ما هو معروف في العالم أن النساء في عالم الفن يعملن في مجال يغلب عليه الرجال وتهميش انتاجهن بالمقارنة مع الاهتمام الكبير للإنتاج الفني للذكور، ولكن في اليمن الوضع مختلف تماماً. من تجربتي في التغطية الإعلامية لليمن منذ عشرة أعوام، أرى أن النساء والرجال بشكل متساوي يشكلون الحراك الفني اليمني، والكل مهمش ولا يحظى بإهتمام اعلامي ولم يتم توثيق أعمالهم/ن ومواهبهم/ن بشكل جيد وكافي. ومع ذلك، أخصص هذا المقال للحديث عن النساء المبدعات اليمنيات.


سارة إسحاق في هذا السياق من أهم المبدعات اليمنيات في جيل الشباب اليوم الذي وجد صوته مع بداية ثورة اليمن في 2011. سجلت المخرجة الشابة اليمنية من جهة الأب وإسكوتلاندية من جهة الأم، إنجاز تاريخي بإنجازها أول فيلم يمني (بالتعاون مع فريق يمني) "ليس للكرامة جدران" (2012) الذي رُشح لجائزة الأوسكار ضمن فئة الأفلام الوثائقية القصيرة. يحكي الفيلم عن مجريات أحداث يوم دامي في بداية الثورة، الذي يعتبر نقطة تحول في مسار الثورة اليمنية.


سارة إسحاق


منذ أن رجعت سارة لليمن في 2011 بعد غياب لمدة عشرة أعوام في سكوتلاندا، وهي توثق تفاصيل حياتية بين الواقع السياسي والإجتماعي في اليمن، فهي تأرجحت بمهارة بين الأفلام الوثائقية التي عبرت فيها عن تجربة المواطن أو المواطنة اليمنية كنتيجة للتطورات السياسية، والأفلام الوثائقية التي تحكي من خلالها تجربتها الخاصة. فمثلاً، الفيلمان القصيران لسارة عن سيدة متظاهرة في ساحة التغيير في صنعاء 2012 أو فيلم "عالقون" عن اليمنيين العالقين في مصر في 2015 يؤكدان على أهمية كاميرا سارة في توثيق لحظات حرجة في ذاكرة المواطن اليمني. أما فيلمها الوثائقي "بيت التوت" الحائز أيضاً على عدة جوائز عالمية وعربية يلخص طبيعة حياة الأسرة اليمنية من خلال سرد السيرة الذاتية والعائلية لسارة إسحاق نفسها.







عندما أجريت لقاء مع سارة إسحاق في 2013 بعد ترشحها للأوسكار، سألتها عن طموحاتها الفنية فأخبرتني كيف أنها مستاءة من عدم وجود أي مكان في اليمن لتعليم صناعة الأفلام ولهذا تطمح في إنشاء مدرسة أو مركز لتعليم صناعة الأفلام في اليمن، ويبدو أن الحلم صار حقيقة.

في مكالمة خاصة مع سارة إسحاق من صنعاء، تخبرني بحماس عن تحضيراتها لورشة العمل الثانية بدعم الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، بعد نجاح ورشة العمل الأولى لصناعة الأفلام لمجموعة من الشباب والشابات في صنعاء. فبعد أن أخذت قسطاً من الراحة لفترة وجيزة بعد ولادة مولودها الأول، تحاول سارة اليوم أن توفق بين مشاريعها العديدة. فإلى جانب إقامة ورشة العمل مع فريق مكتبها قمرة لإنتاج الأفلام، تعمل وراء الكواليس في إنتاج أفلام قصيرة بالتعاون مع وسائل اعلام دولية واقليمية، والاهم من ذلك تعمل الآن على تحضير فيلمها الروائي الطويل الأول وفيلم وثائقي عن النساء والحرب.






سارة اسحاق تقول لي سواءً في الحرب او في السلم لصناعة الافلام دور حيوي لدى الشباب اليمني، فهو اداة تمكين للشباب ومصدر إثراء للنقاش والرأي العام. تقول سارة، "عموماً، صناعة الفنون في زمن الحرب هو بمثابة علاج نفسي، وهنا صناعة الأفلام هي كذلك، سواءً لصانعي الأفلام أو الجمهور - فالأفلام تساعدنا على أن نعبر عن أنفسنا وعلى أن نثري وجهات نظرنا للأمور بعيداً عن الأطر المعلبة."

وبالفعل هذا ايضاً ماحصل مع الرسامة اليمنية الشابة هيّا الحمومي. فعن عمر ال 23 تخبرني هيا في مكالمة خاصة من صنعاء أن الرسم بالنسبة لها وسيلة للتأقلم مع الواقع والضغوطات التي فرضت عليها. تقول هيّا، "أنا أرسم لأنها الوسيلة التي أبرع فيها للتعبير عن نفسي وعن محيطي. البعض يستطيع أن يكتب مقال أو كتاب أو يصنع فيلم ويعبر عن نفسه، لكني أجد الرسم أقرب وسيلة تعبير لي."





بدأت هيّا في عرض رسوماتها للعامة منذ 2014 وهي الفترة التي دخلت فيها اليمن مرحلة الحرب الأهلية، بإجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء وإجتياح مؤسسة الدولة. منذ ذلك الوقت وهيا ترسم لتعبر عن مشاعرها. فمثلاً، رسمتها "الضحية" أو "صرخة غضب" رسمتها هيّا في فترات أرادت فيها أن تصور حالة مجتمعها حيث هو ضحية حرب شعواء يريد أن يصرخ غضباً في وجهها. أما رسمتها عن العنف اللفظي ضد المرأة، ضمن مشروع للمؤسسة تنمية القيادات الشابة في اليمن، لخصت من خلاله هيًا معاناة النساء في اليمن من العنف اللفظي.






شاركت هيّا حتى اليوم في 16 معرضا فنيا في صنعاء وواحد في الكويت وتثني على اهتمام الجمهور في صنعاء ، فهم في أعداد متزايدة مع افتتاح المعارض على مر الأعوام الماضية ولكن تتمنى أن يكون هناك دعم أكبر للطاقات الشابة.





مثال، المغنية اليمنية و عازفة الجيتار الهنا من من لقوا دعم كبير. سطع نجم مثال بعد تعاونها مع فرقة (x ambassadors) العام الماضي في إصدار اغنية مشتركة بإسم (cycles) ضمن حملة تضامن بإسم (i am with the banned) مع البلدان المحظورة من دخول أمريكا بعد القرار التنفيذي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. منذ ثورة اليمن 2011 ومثال تألف وتغني وتنشر أغانيها الخاصة باللغة الإنجليزية.





نجاح مثال لم يكن الوصول إليه بالهين. في حوار لي مع مثال فور اصدار اغنية Cycles اخبرتني كيف أنها واجهت استهجان ومضايقات عديدة في اليمن عندما بدأت الغناء في 2011، وتقول: "كانت تصلني رسائل كره ومضايقات من الناس، بسبب غنائي في أماكن عامة و مختلطة. زادت المضايقات فتوقفت عن الغناء في 2014 واختفيت تماماً عن الحياة الإجتماعية. ومع بداية الحرب في مارس 2015 اخذت جيتاري وسافرت بقوارب اللاجئين الى جيبوتي. هناك عزفت لفترة في الفنادق حتى يكون لي مصدر رزق، وخلال تلك الفترة عملت على نشر أعمالي على الإنترنت فوصلتني دعوات للمشاركة في فعاليات عن اليمن في ألمانيا وكندا. وبعدها استقريت في كندا."

ومن مقرها الجديد في براغ منذ بداية حرب اليمن، ريم مجاهد تنقلك بكلماتها إلى اليمن. الباحثة الإجتماعية والكاتبة ريم مجاهد تعبر عن حنينها الى اليمن في قصص تدهش بواقعيتها وتعبيرها عن معاني مشتركة لدى كل يمني ويمنية. عندما التقيت بريم في براغ بداية هذا العام اعترفت لي انها تحاول من خلال هذه القصص أن تتواصل مرة أخرى مع ريم الصغيرة التي نشأت في احدى القرى في تعز - ريم، بنت القرية.

في رحاب صفحات جريدة السفير، نشرت ريم حتى الان ست قصص متتالية بالعناوين التالية: "بلوزة" و"زفاف"، "فرار" و"سرقة" و"نزوح" و"طريق". لم يمر وقت طويل حتى أدرك فريق جريدة السفير موهبة ريم مجاهد فعرضوا مؤخراً قصص ريم في صفحة واحدة وقالوا، "ادهشتنا الصبية ريم مجاهد. كل قصة لها لوحة عن زاوية من المشهد اليمني اليوم... أو سيناريو لفيلم يمتلك كل الكثافة اللازمة. ادهشتنا ريم مجاهد، وأيقنّا أننا إنما "نكتشف" قاصّة خطيرة."

هذه أربعة أمثلة من قائمة طويلة بأسماء مبدعات يمنيات يواجهن الحرب والنزوح، مسلحات بالخيال والشغف لصناعة الأفلام، الرسم، الغناء والقصة. لم يكتب الكثير بعد عن اليمن والحرب، ونحن بحاجة دائمة لتوثيق أعمال الفنانات والفنانين.


_____________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر
نُشر المقال أولاً على موقع جيم - يونيو ٢٠١٨ 

ماذا حدث للإعلام الموالي لعلي عبدالله صالح بعد موته؟




مساء السبت الثاني من شهر كانون الأول/ديسمبر 2017، أي قبل يومين فقط من مقتله، ظهر الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في لقاء على قناة “اليمن اليوم” التي يمولها، وهي موالية له ولحزبه السياسي “المؤتمر الشعبي العام”. أعلن في اللقاء انشقاق تحالفه مع الحوثيين ورغبته في بدء صفحة جديدة مع المملكة العربية السعودية. لم تكن تلك لحظة سياسية بارزة وحسب، بل كانت أيضاً لحظة إعلامية مهمة، إذ تضمنت إعلاناً ضمنياً للانشقاق الإعلامي بين الطرفين.

ظهر صالح في اللقاء وألقى الخبر بنفسه، فكان هو الخبر وناقله (أي المراسل) في الوقت ذاته، حتى لا يترك أي مجال للشك في الخبر وسط هشاشة صدقية الإعلام اليمني عموماً. كانت لحظة مشابهة لليوم الذي قام صالح نفسه بدور المراسل مع بداية الحرب في أيار/مايو 2015 عندما نقل بنفسه خبر قصف بيته، وهو يحمل الميكروفون أمام الكاميرا، من أمام بيته المهدّم في صنعاء بعد قصف التحالف العربي بقيادة السعودية. 

دور الإعلامي الذي تقمّصه صالح يعكس مدى غياب الوسائل الإعلامية ذات الصدقية والقبول والثقة عند الجمهور، ويدل على مدى تسيّس الإعلام في اليمن. فمنذ بداية التحالف السياسي والعسكري بين صالح والحوثيين في نهاية 2014، عمل هذا التحالف على إدماج شكل التغطية الإعلامية لأخبار الحرب، وعمل الحوثي بشكل رئيسي على السيطرة على كل الوسائل الإعلامية الأخرى في شمال اليمن، وسحق كل إعلام معارض. وبذلك لم يتبقَّ في الشمال سوى إعلام يسيطر عليه الحوثي وصالح. لكن فور مقتل الأخير على يد الحوثيين انقلب هؤلاء على وسائل الإعلام الموالية والممولة من قبل صالح وأصبح اعلام صالح آخر ضحايا الانتهاكات الجسيمة ضد حرية الصحافة في اليمن.

بدأت اللعبة الخطرة في التحالف الإعلامي بين صالح والحوثي مع اجتياح الحوثي صنعاء في منتصف 2014، عندما قامت قوات خاصة بالرئيس عبدربه منصور هادي بالاعتداء على قناة صالح وذلك لهدف غير معلن وقتها، وهو إخماد ذاك التحالف الإعلامي بين صالح والحوثي الذي شكل تهديداً لسلطة هادي، الذي لم يكن له أي وسيلة إعلامية خاصة آنذاك. يبدو أن أكثر ما أزعج هادي هو التغطية الإعلامية المستمرة من قبل تلفزيون صالح للتظاهرات التي قادتها جماعة الحوثي، وإتاحتها الوقت والمساحة لظهور خطابات قائد الحوثيين عبدالملك الحوثي.



وتوضح بعدها شكل الحرب على الإعلام في اليمن ومن عدو من ومن حليف من. أتت الشهور التالية وتبلورت أكثر التحالفات بين صالح والحوثي، وهادي والتحالف العربي بقيادة السعودية، وتوطد العداء بين الجبهتين. ظهر تيار إعلامي ممنهج للحوثيين، سمي من بداية الحرب الإعلام الحربي، الذي يغلب عليه نشر أخبار صفوف القتال لدى الحوثيين وتقارير صادرة عن التحالف بين صالح والحوثي. وفي هذه الأثناء، كان إعلام صالح يعمل على نشر أخباره وحزبه وتحالفه مع الحوثيين. انعكس كل ذلك على المتلقي في شمال اليمن إذ إن الخبر كان يصله مسيساً ومن وجهة نظر التحالف بين صالح والحوثي.

كان الإعلام في بداية التحالف بين صالح والحوثيين يمجد دور التحالف وليس دور كل طرف في معطيات المرحلة. كان دور كل من إعلام صالح وإعلام الحوثي هو التغطية الإعلامية لجرائم الحرب من قبل غارات السعودية ونشر الأخبار عن دور قواتهم في القتال. بعد تشكيل المجلس السياسي الأعلى في تموز/يوليو 2016 بين الطرفين وإبراز التحالف بين صالح والحوثي بشكل أكبر، أصبحت العلاقة الإعلامية وطيدة بين إعلام صالح والحوثي، لمدة عام ونصف العام.



ظهور صالح في اللقاء قبيل مقتله لم يكن نقطة انطلاق الانشقاق الإعلامي بين الطرفين. مرّ التحالف بين صالح والحوثي في الأشهر الستة الأخيرة قبل مقتل صالح بفتور ثم بمدّ وجزر، حتى أدى كل ذلك إلى النهاية. فخلال هذه الفترة من عمر التحالف، قام الحوثي بعدد من المضايقات ضد قوات صالح وأظهر جشعاً وأطماعاً أكبر مما كان اتفق عليه مع صالح. فمثلاً أراد الحوثيون السيطرة على نقاط عسكرية أكثر في نطاق سيطرة قوات صالح، وبعدها أرادوا ايضاً أن يسيطروا على مسجد صالح الضخم في وسط صنعاء، فأقدموا على قتل بعض من الأفراد المقربين للرئيس السابق خلال الصدامات التي كانت تحدث بين فريق صالح والحوثي. ولا بد من الإشارة إلى أن علي عبدالله صالح أبدى صبراً تجاه تلك المضايقات وحاول ألا يصعد الموقف فآثر السكوت في مواقف مستفزة كثيرة. الأمر الذي انعكس على طبيعة التغطية الإعلامية للإعلام الموالي له.

كانت الأمور السياسية والعسكرية بين الطرفين تذهب في طريق وعر، فأثّر كل ذلك في التحالف الإعلامي. وحان الوقت للانفصال الإعلامي متى ما قرر صالح أن التحالف العسكري والسياسي بين الطرفين انتهى. بطبيعة الحال، من المستحيل استمرار أي تحالف إعلامي مع انتهاء التحالف العسكري والسياسي. كان صالح يعرف جيداً أن الإعلام هو جزء لا يتجزأ من عتاده وأسلحته في الحرب ضد أي عدو، وهنا نقصد الحوثيين. 

لكن ماذا حدث بالضبط للإعلام الممول والموالي لصالح بعد مقتله؟ بالتزامن مع المواجهات المسلحة بين الطرفين قُبيل مقتل صالح بيوم، اقتحم عناصر من جماعة الحوثي مبنى قناة وصحيفة “اليمن الْيَوْمَ” واعتقلوا عشرات العاملين فيها واحتجزوهم رهائن لأيام عدة، وتم الإفراج عنهم بحسب التقارير غير المؤكدة بعد ضغط محلي ودولي كبير. في هذه الأثناء، توقفت كل الوسائل الإعلامية الموالية لصالح، واتسمت هذه الفترة بحال من الرعب والخوف في أوساط الإعلاميين والرأي العام في المنطقة الشمالية لليمن التي يسيطر عليها الحوثيون. بحسب روايات الأهل والأصدقاء، شهدت تلك الفترة إعدامات ميدانية لشخصيات كثيرة موالية لصالح والمؤتمر الشعبي العام. شدد الحوثيون سيطرتهم على الإعلام المرئي والمقروء، وحجبوا أيضاً مواقع التواصل الاجتماعي لأيام. كل ذلك كان لتحقيق تعتيم إعلامي يعزل اليمن عن العالم ويمنع المواطنين من معرفة ما يحدث بالضبط وفهمه.

وبعد أن هدأت الأمور قليلاً وانقشع الغبار، ظهر انقسام داخل الإعلام الموالي لصالح. جزء منه أظهر وفاء له وهرب إما إلى جنوب اليمن أو الى دول عربية مجاورة وواصل عمله الإعلامي مركزاً على نشر جرائم الحرب التي تمارسها جماعة الحوثي، والجزء الآخر تغاضى عن جريمة مقتل صالح وبقي في صنعاء يعمل مع جماعة الحوثي ضد التحالف العربي بقيادة السعودية. فأصبحت “الْيَمن اليوم” منقسمة بين جزء موالٍ لصالح بطاقم يعمل من القاهرة وجزء موال للحوثيين بطاقم يعمل من صنعاء. في حديث لي مع صحافي موالٍ لصالح، لم يعلن اسمه حفاظاً على سلامته، أخبرني كيف أنه اضطر إلى الهرب من صنعاء نحو عدن حتى لا يعمل تحت سيطرة الحوثيين وكيف أن من بقوا في صنعاء يعملون مع الحوثيين خوفاً من قمعهم وإرهابهم.

ما حدث للإعلام الموالي لصالح هو جزء بسيط فقط لواقع الإعلام اليمني المأسوي. مقتل صالح كان بمثابة زلزال سياسي ترك فراغاً سياسياً وإعلامياً أيضاً، فالانقسام وسط إعلام صالح لم يتداركه بعد حزب صالح “المؤتمر الشعبي العام” والزعامات التي تريد أن تواصل مسيرته، كابنه أحمد صالح وابن اخيه طارق صالح..



في مناخ إعلامي تنعدم فيه الصدقية، خسر الإعلام الحزبي في اليمن قائداً كان يحب دور المراسل أحياناً.

__________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر

الطفلة شيماء: مأساة أطفال اليمن




منذ أسبوع تقريباً، ظهرت صور صادمة لطفلة يمنية تدعى شيماء في التاسعة أو الثامنة من عمرها، تبدو آثار ضرب وحروق
 على جسمها. انتشرت صور شيماء بشكل واسع في الوسط اليمني، على “فيسبوك” و”تويتر” وخصوصاً على “واتساب”. تظهر شيماء في الصور وفي الفيديو وعيناها الصغيرتان محاطتان بهالة سوداء إلى بنفسجية نتيجة الضرب، تتحدث عن كيف دأب يضربها والدها منذ فترة، إذ يمسكها من شعر رأسها ويلقي بها بعنف عرض الحائط ويضرب رأسها أكثر من مرة، ثم يحرق ذراعها بأعواد الكبريت أو ما شابه ذلك.

بحسب ما تداولته بعض وسائل الإعلام اليمنية، “الطفلة من أهالي صنعاء القديمة وتسكن في حارة “القليس”. تخلت عنها أمها وهي صغيرة وعاشت في كنف جدها حتى مات، قبل أن يستعيدها والدها إلى وصايته لاحقاً”. وفي رواية أخرى، قيل إن الطفلة كانت تتحمّل التعذيب من قبل زوجة الأب. وكثرت الروايات عن حيثيات تعنيف الطفلة، ولكن الأكيد أنه بعد نشر الصور على الإنترنت تفاعل الرأي العام اليمني بشكل كبير، وظهرت أخبار عن إنقاذ شيماء بعد أن تدخلت ناشطات من “اتحاد نساء اليمن”، الذي تابع قضية الفتاة، وبلّغ الأجهزة الأمنية في صنعاء وتم اعتقال الوالد ووضعت شيماء في رعاية إحدى القيادات النسائية في الجهاز الأمني.

قد تبدو تفاصيل قضية شيماء غير واضحة، لأن الصحافة اليمنية لم تنشر إلا ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي (صحافة المواطن)، ولكن من المعروف أن هذه ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها قصص أطفال يمنيين معنفين من قبل ذويهم في اليمن، بل هناك أكثر من شيماء في مناطق كثيرة في البلاد، ساعد على انتشار قصصهم رواج استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الأعوام الأخيرة. في بلد كاليمن حيثُ حوالى نصف السكان تحت عمر الخامسة عشرة، العنف ضد الأطفال مشكلة اجتماعية وقانونية مزمنة، تفاقمت أكثر مع استمرار الصراع في اليمن. سبق ووقّعت اليمن اتفاقية حقوق الطفل (1991) وجاء القانون اليمني مطابقاً لتلك الاتفاقية، إذ تشدد المادة 3 من قانون حقوق الطفل الصادر عام 2002 على تحديد حقوق الطفل وتوفير الحماية القانونية له، ومع هذا هناك أزمة حقيقة في انعكاس أزمات اليمن على الأطفال، إذ ما برح تأثير الحرب جسيماً عليهم.

قضية شيماء تثير أسئلة كثيرة عن ثقافة العنف في اليمن بعدما دخل الصراع في البلاد عامه الرابع. بطبيعة الحال، هناك عدد لا يحصى من الأطفال في اليمن الذين يعانون من أمراض نفسية أو الصدمة (trauma) ليس نتيجة تجربتهم ومعايشتهم الصراع والعنف القائم في اليمن وحسب، وإنما أيضاً بسبب تعرّضهم للعنف من قبل الأهل والأقرباء. وبذلك لنا أن نتخيل فداحة تفشي الأمراض النفسية لدى فئات المجتمع المختلفة والإرث الذي ستخلفه الحرب متى ما انتهت.

في بلد تفتك به الحرب ويعيش تفككاً مستمراً في مؤسسات الدولة وأنظمة القانون والمراقبة، وعلى رغم فقره المدقع، كان أمراً مفرحاً أن يتفاعل الرأي العام اليمني وأن يصرخ لنجدة الطفلة شيماء. ففي اليمن ما زال التكافل الاجتماعي يقاوم الأزمات القاهرة التي تعصف بالبلاد. وكان من الأجدر بالبرامج الاجتماعية في وسائل الإعلام العربي أن تلتفت إلى هذه اللحظة الفارقة في صحافة المواطن في اليمن وتفاعل الرأي اليمني تجاه قضية العنف ضد الأطفال عموماً. وسواء لأجل شيماء اليوم وشيماء الغد، يحتاج أطفال اليمن حقاً إلى إنهاء الصراع وتحقيق السلام، فمن دون ذلك سيكون من الصعب الحصول على الحماية والرعاية. ببساطة، إن إنهاء الصراع في اليمن أصبح مسألة حياة أو موت لملايين الأطفال.

_________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر

الحديدة: طريق التحالف إلى صنعاء أم طريق الإمارات الى البحر؟




*مع الأخذ في الاعتبار ندرة وسائل الإعلام اليمنية المستقلة، هناك وفرة أخبار من الإعلام الموالي للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإعلام الموالي للحوثيين، عن معركة الحديدة منذ ما يقارب الأسبوع. بالنسبة إلى التحالف العربي، فإن قوات الشرعية اليمنية بدعم عسكري من التحالف أصبحت على أعتاب “نصر قريب”، مع تقدمها نحو مدينة الحديدة والاستيلاء على ميناء المدينة الذي يعتبر من أهم المنافذ البحرية لليمن والملاحة العالمية. وبالنسبة الى الحوثيين، فقد اعترف منذ أسبوع قائد الجماعة، عبدالملك الحوثي، خلال خطاب متلفز له، بتراجع سيطرة قواته على المدينة، مشيراً إلى “أن أي تراجع في الحديدة هو لأسباب موضوعية ولا يعني نهاية المعركة”.

لكن ماذا يعني الحوثي بقوله “أسباب موضوعية”؟

سبّب هذا التبرير غير المقنع موجة سخرية من قبل شرائح من الرأي العام اليمني شعرت أن الحوثي يسعى من خلال تصريحاته إلى حفظ ماء الوجه حيال هذه الخسارة. وكانت جماعة الحوثي قد سيطرت على الحديدة ومينائها منذ ما يقارب ثلاثة أعوام بدعم من قوات الرئيس السابق الراحل علي عبدالله صالح. ولهذا فإن فقدان السيطرة على هذه المدينة ليس بالأمر السهل بالنسبة لها.

أما قوات التحالف فإن الهدف من المعركة في الحديدة كما سبق وأعلنت هو، “عزل جماعة الحوثي عن الحديدة، وقطع شرايينها مع إيران، فالحديدة تعد، بفضل مينائها ومطارها، آخر منفذ بحري للحوثيين لتلقي الأسلحة المهربة من إيران، إضافة إلى التحكم بالمساعدات الإنسانية، ومحاولة تهديد الملاحة في البحر الأحمر، ما يؤكد أن تحريرها سيشكل ضربة قاصمة للحوثيين”.

أهمية الحديدة تاريخياً

لعبت مدينة الحديدة دوراً سياسياً وعسكرياً مهماً في تاريخ اليمن المعاصر. ففي نهاية حكم المملكة المتوكلية اليمنية (1918 – 1962) أصبحت الحديدة قاعدة عسكرية بعد أن ساعد الاتحاد السوفياتي بإنشاء ميناء الحديدة، وظلت لسنوات كثيرة محط أنظار الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي لتكون قاعدة عسكرية مطلة على البحر الأحمر وقاعدة حيوية على مستوى منطقة الشرق الأوسط. منذ 2012 أعربت دولة الإمارات عن رغبتها في الاستثمار في موانئ اليمن وبدأت عقد صفقات تحت هذا العنوان، فهل نستقي من ذلك أن الاستثمار في ميناء الحديدة سيكون ضمن خطط الإمارات الاقتصادية في اليمن؟

معركة الحديدة مهمة لأسباب أكبر من ما يعلنه التحالف العربي، فالانتصار في جبهة الحديدة يطرح أسئلة كثيرة عن المعارك المقبلة في الصراع القائم، فالتقدم العسكري في الحديدة لقوات التحالف غيّر وما زال موازين القوى بين أطراف الصراع، خصوصاً في ظل تغييب الحل السياسي.

أغلب التقديرات ترجح أن جبهة الحديدة تفتح الطريق إلى صنعاء، مع الأخذ بالاعتبار أن الخصائص الجغرافية في الانتقال من الساحل إلى جبال اليمن المحيطة بصنعاء وضواحيها سيكون تحدياً كبيراً أمام قوات التحالف والشرعية. ومتى ما بدأت معركة صنعاء ستكون الكلفة الإنسانية باهظة جداً، ولربما تتحول إلى حرب استنزاف أكثر بشاعة مما رأيناه في معركة حلب أو معركة الموصل.

توقيت معركة الحديدة خطير ومرتبط بتطورات اقليمية. فالداعم الرئيسي لجماعة الحوثي أي ايران تريد أن تستخدم اليمن كورقة ضغط في مفاوضاتها مع عدد من الدول الأوروبية في البحث في سبل إنعاش إتفاقية الأسلحة النووية بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منها. قد تجد صنعاء نفسها في قلب صفقة مساومة بين إيران والسعودية ومن يدري فقد يتوصل أطراف النزاع الى حل سياسي على ضوء رغبة إيران في استرجاع الاتفاقية وتخفيف التوتر في المنطقة.

_____________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر

عاكس خط: برنامج السخرية الأول في اليمن يتلاعب بأعصاب الحوثيين



من المستحيل أن تكونوا ممن يتابعون البرامج التلفزيونية اليمنية ولم تشاهدوا برنامج "عاكس خط" وهو اليوم في موسمه السادس، لمقدمه محمد الربع.


ينتظر الكثيرون مشاهدة حلقات برنامج عاكس خط كل رمضان منذ 2011، فقد عودنا محمد الربع أن يطل كل شهر بحزمة من الحلقات، كل واحدة تتناول موضوعاً سياسياً معيناً مرتبطاً بالواقع اليمني، مثل انقطاع رواتب موظفي الدولة أو تغيير مواقف السياسي عبدالعزيز بن حبتور بعدما غيّر تحالفه مع حكومة هادي وأمسى في صف جماعة الحوثيين لاحقاً.


حلقات "عاكس خط" خليط من تعليقات وتحليلات الربع على عدد من مقاطع فيديو مرتبطة بموضوع الحلقة الرئيسي، ويقدم كل ذلك بشكل ساخر تغلب عليه الكوميديا السوداء واللهجة اليمنية المحلية. تتضمن الحلقات أيضاً فقرة غنائية كوميدية يؤديها الربع مع عدد من أعضاء فريق البرنامج.


لا أريد أن أصف الربع بباسم يوسف اليمن، أو تريفور نواه (Trevor Noah) اليمن، حتى أُقرب الصورة وأجعل القارئ يتفهم جيداً ما يقوم به الربع. لا أريد ذلك لأني أدرك من مشاهدة الربع كيف أنه لا يريد أن يُقلد أحداً أو أي برنامج آخر، ولا يريد أن يتصنع بأي شيء حتى يفهمه من في المنطقة العربية أو العالم الغربي، فهو لم يتخلَّ عن كلمة "أشتي" (أريد باللهجة اليمنية) أو أي من حركاته المحلية البسيطة.






الربع يقدم المادة بمنظور محلي بحت، وبلهجة محلية يسعى من كل ذلك أن يجذب اهتمام الجمهور لمتابعته. وبهذا، عاكس خط هو من الشعب اليمني وإليه، في الداخل والخارج. هنا يكمن سر نجاح هذا البرنامج.


في بداية هذا العام أصدر موقع Global Influence من منظمة GDI Gottlieb Duttweiler Institute السويسرية، قائمة بأهم الشخصيات تأثيراً في العالم العربي لعام 2018 وكان الربع في المرتبة 22 من ضمن 117 شخصية. نلمس تأثير الربع بالتحديد على وسائل الإعلام الاجتماعي حيث له شعبية كبيرة. متى ما نشر الربع منشوراً أو غرد أو نشر فيديو من أعماله تنهال عليه اللايكات والتعليقات بالألوف وفي الأغلب يكتب المعلقون كيف أن أعماله تمثل بالضبط ما يريدون أن يقولوه.


وحسب رواية الربع فقد وصلته معلومات تغيد بأن الحوثيين يقتحمون مقاهي الإنترنت في صنعاء ويمنعون أصحابها من مشاهدة أو تحميل فيديوهات حلقات عاكس خط.

من موقع سري في اليمن بعد أن اضطر الربع الهرب من قمع الحوثيين، يعمل على أن تكون مواضيع حلقاته دائماً مستمدة من أحاديث البلد. فمثلاً اختار هذا الموسم الرمضاني أن يبدأ بحلقة عن الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي قُتل على يد الحوثيين في ديسمبر العام الماضي، وكانت الحلقة بعنوان "وين راحوا؟" وعبرت عما يريد الكثيرون قوله.

يخاطب الربع في الحلقة أنصار علي عبدالله صالح وكيف أنهم خذلوه لأنهم لم يقفوا بجانبه، لا وقت اغتياله أو حتى بعد وفاته. وأثارت هذه الحلقة جدلاً واسعاً وانقسم الرأي حيالها بين مع وضد.


برع الربع في شد انتباه جمهوره بفضل دراسته وخبرته. فقد درس الإخراج الإعلامي في جامعة صنعاء قُبيل ثورة ٢٠١١. ومع بداية الثورة نشر فيديو على اليوتوب كهاوٍ يعلق بطريقة فكاهية على تصريحات الناطق باسم حكومة علي عبدالله صالح آنذاك عبده الجندي، الذي عُرف أيضاً بأسلوبه الفكاهي وحظي باهتمام شعبي غير عادي.

يخبرني الربع كيف أنه استمد الإلهام من أسلوب الجندي، فأراد أن ينتج مادة إعلامية تتحلى بالبساطة والعفوية وروح النكتة، فهي التي تجذب العامة، كما كان يفعل الجندي.

ومنذ ذلك الحين، ثابر الربع على إصدار "عاكس خط" كل شهر رغم كل الصعوبات المادية ونقص التمويل، ورغم كل التغيرات الأمنية والسياسية التي عصفت ولم تزل تعصف بالبلاد. وبين العام والآخر حاول الربع أن يضيف برامج بعيدة عن فئة برامج السخرية، كبرنامج "صح النوم"، ولكنه لم يجد نفس الصدى الذي وجده عاكس خط.


أدرك الربع أهمية التركيز على إنتاج برامج معنية بالإعلام الساخر، فهي التي تشفي غليل المواطن اليمني، حسب ملاحظته. لم يكن بالأمر السهل إنتاج حلقات عاكس خط. في ظل قمع حرية التعبير والصحافة في اليمن دفع الربع ثمن تحديه لقمع السلطة والمليشيات. إذ تلقى تهديدات بالقتل وتمت مهاجمة منزله بالرصاص ومحاولة خطف أخته.


وأيضاً نال فريق عمل عاكس خط مضايقات كثيرة. وقد عمل الفريق على أن ينتج كل موسم رغم كل الصعوبات. واضطر أن يسافر في داخل اليمن، متخفياً. وهو يتخذ اليوم من غرفة صغيرة مكتباً واستديو، يتم فيها تأليف وتصوير حلقات عاكس خط. ويجد البرنامج الدعم من قناة يمن شباب التي تبث برامجها من مكاتبها في الأردن وتركيا، وعلى موقعها على اليوتيوب.


مسيرة الربع تلخص مسيرة الإعلام اليمني الذي يحاول أن يكون مستقلاً، والذي ولد من رحم ثورة 2011. منذ بدايته حتى اليوم يوظف الربع طاقاته الإبداعية في نقل صورة عن الواقع السياسي والاجتماعي في اليمن على الشاشة.


بين نكتة هنا وهناك عن مأساة شعب اليمن، يجد المواطن اليمني أن الربع يدعوه للضحك على أوجاعه. يقول: "كل البرامج تناقش القضايا الإنسانية والأمنية في اليمن، وتذكر اليمنيين بالمجاعة والكوليرا ولكن المواطن اليمني نسى أن يضحك، وهذا ما نحاول أن نفعله في عاكس خط وهو أن نذكره بأن يضحك وأن يسخر من جراحنا وسط البكاء والعويل."


عاكس خط ليس البرنامج الوحيد الساخر في اليمن اليوم، لكن أكثر ما يميزه هو أنه لا يحرض على العنف أو الطائفية، بل بالعكس، يدعو للتحليل النقدي وتعزيز الشعور الوطني. من الجلي أن الربع ضد جماعة الحوثي في طرحه، ولكن من تابعه جيداً من بداياته، يدرك أنه كان ولا يزال ضد الاستبداد وضد أي سلطة تستغل صلاحياتها لتقهر شعبها. هنا أجد روح ثورة 2011 في كل ما يصبو الربع إليه.

__________________________________________________
كاتبة المقال: أفراح ناصر
نُشر المقال أولاً على موقع رصيف٢٢ - مايو ٢٠١٨ 

30.7.18

في ذكراها السابعة: هذا ما تعلمتُه من “رؤوفة حسن”



يأتي شهر أبريل/ نيسان لنواجه مرة أخرى الحزن لفقدان أبرز الرائدات النسويات في اليمن في قضايا الجندر والإعلام والسياسة، الدكتورة رؤوفة حسن، أو “الدكتورة” كما نحب في اليمن أن نطلق عليها. في الذكرى السنوية السابعة لرحيلها تذكير آخر بشخصها الفريد وما كانت تعنيه لليمن والعالم العربي. وكأنها كانت تدري أن وقتها قصير في عالمنا، وهي توفيت عن عمر صغير، 53 عاماً، في أحد مستشفيات القاهرة، يوم 27 نيسان 2011.

في كل عام في الذكرى السنوية لرحيلها، كنت أتحاشى فكرة كتابة مقال في رثاء الدكتورة، وأنا التي قلتُ الكثير عنها في مدونتي منذ أن تعرفت إليها شخصياً مع بداية عملي الصحافي في نهاية 2008 في صنعاء. كنت أراها قدوة نسوية وأكاديمية فذة. كنت مدمنة على قراءة مقالها الأسبوعي على صفحات جريدة 26 سبتمبر الرسمية سابقاً- كانت تطالعنا فيه بآخر مشاريعها الثقافية والسياسية.

كصحافية مبتدئة واظبت على زيارة مكتبها (مؤسسة تنمية البرامج الثقافية) في صنعاء، وغطيت الكثير من الفاعليات. لكنني أعاتب نفسي اليوم لأنني لم أكتب عنها كفايةً بعد مماتها. ربما لأن وتيرة الأحداث بعد غيابها كانت في سرعة خيالية أو ربما لأنني كنت أرفض الاقتناع بأنها رحلت، أو ربما للسببين معاً. لكنني هذا العام في أشدّ الاحتياج للكتابة عنها، فقد وصلت مستويات الإحباط واليأس إلى أعلى مراتبها، ليس في وسط اليمنيين واليمنيات فحسب وإنما في المنطقة ككل. أينما تولي وجهك في العالم العربي ترى العنف والموت والدمار، ولم يعد بأيدينا غير الاستسلام، باستثناء من آثر المقاومة.

اخترت المقاومة لأنني ما زلت على قيد الحياة، وأجد أن ذكرى الدكتورة عتاد لا يستهان بها، بكل ما كانت هذه السيدة تمثله من قوة وجلد ومقاومة، وكفاح في سبيل تعزيز النشاط النسائي والنهوض بمنظمات المجتمع المدني في اليمن والمنطقة العربية. ولدت رؤوفة وسط تقلبات سياسية سريعة عصفت باليمن، ومع ذلك واجهتها بمثابرة وإصرار وإيمان على التغيير والتنمية. أجد فيها اليوم مثالاً لبذرة التغيير (على رغم كل إخفاقاته) الذي نادى به شباب وشابات ثورة 2011 في اليمن. وليس بغريب لو اعتقدنا أنها كانت من أهم من أثروا في هؤلاء الشباب والشابات.

لم يكتَب الكثير بالشكل الكافي أو الحرفي عن السيرة الذاتية للدكتورة. ما هو موجود هنا أو هناك لا ينصف حقها، ولكنني أجتهد هنا وأعطي صورة عامة عنها من دون ذكر كل التفاصيل والمناصب التي شغلتها. فقد كانت الدكتورة كالنحلة، لا تمل ولا تكل، وهذه الروح بالتحديد هي ما أود أن أنقله لقراء “درج”.

ولدت الدكتورة في صنعاء لعائلة محافظة، وكانت الحفيدة المفضلة لجدها القاضي الذي دعمها كثيراً. في عمر الثانية عشرة سنة، أتتها فرصة المشاركة في عمل إذاعي للأطفال في إذاعة صنعاء، ولكن تحفظ عائلتها والمناخ المحافظ آنذك اضطرها إلى خوض التجربة من دون علم أهلها، وإلى تغيير اسمها حتى لا يتعرف إليها أي شخص من العائلة أو من يحمل لقب العائلة. فحين ذاك كان العمل في الإذاعة في شمال اليمن عيباً على النساء. فغيرت اسمها من أمة الرؤوف حسن الشرقي، إلى رؤوفة حسن. كبرت رؤوفة وكبرت البرامج الإذاعية التي ألفتها وقدمتها بنفسها، واكتشفت العائلة حقيقة عملها بعد زلة لسان من مذيع زميل أفشى اسمها الحقيقي من طريق الخطأ وهما على الهواء، فقاومت رؤوفة معارضة الأهل، وتدريجياً اقتنعوا بأهمية عملها. وما أن بدأ افتتاح التلفزيون عام 1975 كانت رؤوفة من الأوائل الذين انضموا إليه. سواء في الإذاعة أو التلفزيون ركزت على برامج تخص قضايا المرأة والفساد السياسي.

وبذلك كانت وجهاً إعلامياً بارزاً في الوقت الذي كانت النساء الإعلاميات معدودات. لم تقتنع بالشرشف (قماش يغطي المرأة من من رأسها حتى أخمص قدميها)، الزيّ الذي كانت النساء في شمال اليمن ترتدينها بحكم التمدد الوهابي من دول الجوار. فرفضت أن تلبس الشرشف وكانت في مرات كثيرة بلا حجاب أو بحجاب من أقمشة ملونة غطت بها شعرها، كانت تضعها بالطريقة القروية اليمنية البسيطة.

عطش رؤوفة للتحصيل العلمي تجلى في حصولها على درجة بكالوريوس في الصحافة من مصر (1980)، ثم درجة الماجستير في الآداب في تنمية الاتصالات من “كلية فيرمونت- جامعة نورويتش” في الولايات المتحدة (1984) وأخيراً حصلت على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة باريس في فرنسا (1991). خلال هذه الأعوام كانت في سفر وتنقل دائمين، وفقت بين دراستها وعملها، وتقلدت مناصب عديدة ولكن أهمها في نظري هو أنها ساعدت على تأسيس كلية الإعلام في جامعة صنعاء في 1990 أو 1991، ورأستها لفترة بسيطة، تتلمذ على يدها معظم الصحافيين والصحافيات اليمنيات الذين دخلوا المهنة عن دراسة (كان لغالبيتهم دور في ثورة 2011).

ركزت بعدها على إطلاق حملات ومشاريع خاصة كثيرة، لزيادة مشاركة المرأة السياسية في اليمن. وقادت بنفسها حملة ترشح لمقعد في البرلمان اليمني لم تُكلل بالنجاح. إحدى صديقات الدكتورة رؤوفة تخبرني في ردها على رسالتي إليها عبر البريد الإلكتروني، حول ذكرياتهما، فتقول لي الأكاديمية الدكتورة شيلا كاربيكو: “أتذكر أن شعار حملة رؤوفة حسن الانتخابية كان يطغى عليه اللون البرقوقي. كانت المنافسة حادة في الحملات الانتخابية في 1993 وفي النهاية لم يفز أي مرشح أكاديمي بمن فيهم رؤوفة”.

تستطرد شيلا كاربيكو وتخبرني بأنها عملت مع الدكتورة في “وحدة البحوث الاجتماعية ودراسات المرأة في جامعة صنعاء” (1993-1995)، الوحدة التي أسستها رؤوفة بنفسها، وتقول شيلا كاربيكو: “تلقى المركز مضايقات وهجوم من قبل الجماعات الدينية المتطرفة في صنعاء، منهم عبد المجيد الزنداني، بحجة أن المركز يروج لأفكار نسوية ويتلقى معونات من الاتحاد الأوروبي”. بعدها اضطرت رؤوفة إلى اللجوء إلى هولندا، مع اندلاع حرب اليمن الأهلية في 1994 وكبر نفوذ الجماعات المتطرفة في جامعة صنعاء، تخبرني بذلك شيلا كاربيكو.

اضطرت رؤوفة البعد قليلاً بعد أن اشتد الوضع وواجهت حملة ضارية وتم تكفيرها من قبل المتشددين الدينيين. في لقاء رؤوفة حسن مع الأكاديمية الباحثة اليمنية السويسرية الدكتورة إلهام مانع، تعلق رؤوفة على تلك الفترة الصعبة وتقول: “أدركت أن ما قام به حزب الإصلاح (النسخة اليمنية للأخوان المسلمين) ضدي كان أكبر مني. أنا مستقلة، ليس لدي دعم من حزب سياسي أو حراك نسوي كبير أتكل عليه. أنا ظهري أنا فقط. قلت لنفسي هذه موجة لو وقفت ضدها يمكن أن توقع بي، وليس باستطاعتي سوى أن أفعل كما يفعله النخيل تجاه موجة الرياح، تخفض رأسها قليلاً حتى تنتهي الموجة ثم تقف مرة أخرى”.

خلال إقامة رؤوفة في هولندا كانت أستاذة محاضرة في عدد من الجامعات هناك، وأيضاً في الدنمارك وتونس. بعد أربع سنوات قررت العودة إلى القاهرة ومن ثم إلى اليمن. ركزت بعدها نشاطها في تأسيس “مؤسسة تنمية البرامج الثقافية” التي عملت تحت رايتها عشرات المشاريع والبرامج في كل أنحاء اليمن، ركزت مرة أخرى على حملات زيادة مشاركة المرأة السياسية. أهم نتائج تلك الحملات هي أنها نجحت في تمرير مسودة قانون إلى البرلمان اليمني، تمت بعدها دراسة مسودة القانون الذي يخصص كوتة نسائية بنسبة 15 في المئة لمقاعد نسائية في البرلمان. ولكن التيار الديني المتطرف في البرلمان عمل على عدم تمرير مسودة القانون. وعلى رغم ذلك، واصلت الدكتورة عملها مع المؤسسة من دون أي إحباط.

أتذكر جيداً كأنه البارحة، أني سألت الدكتورة مرة في نهاية 2008 خلال زيارتي للمؤسسة في يومها الأسبوعي المفتوح للعامة: “لماذا تقومين بكل ما قمت وما تقومين به؟” أجابت، “فرغة!”، ثم ضحكت. بمعنى أنها “فاضية” باللهجة اليمنية البسيطة. كانت معروفة بروح الدعابة وابتسامتها، على رغم كل اهتماماتها السياسية الجدية المعقدة.

لم يقتصر نشاط الدكتورة على اليمن فقط. في 2008 كانت رؤوفة في اجتماع في القاهرة مع أعضاء الجمعية العمومية التي كانت تعمل حينها على إطلاق المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، وعليه كانت رؤوفة عضواً فى أول مجلس أمناء للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، الذي نعى خبر وفاتها ببيان شديد الحزن.

يذكر البيان: “لقد تركتنا رؤوفة في وقت نجح الشباب العربي- رجاله ونساؤه- في السيطرة على مقدرات حياتهم فى تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن من أجل الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية التي طالما كافحت رؤوفة من أجلها. لقد كانت رؤوفة تؤمن بالشباب العربي- تؤمن بطاقاته وقدراته. ومن نواح كثيرة، فإن هؤلاء الشباب وثوراتهم، الميراث الذي تركته لنا رؤوفة”.

عانت رؤوفة مع المرض لشهور عدة قبل اندلاع ثورات الربيع العربي. ذهبت إلى القاهرة لتلقّي العلاج، لكنها واصلت نشر مقالها الأسبوعي، وأتصور أنها كانت تكتبه من على فراش المستشفى.

كان ولا يزال يراودني سؤال لا يهدأ في داخلي: “ماذا لو كانت رؤوفة شاركت في الثورة اليمنية في 2011 وكانت لا تزال معنا اليوم؟” لا أجد الجواب، ولكنني أجد ملامحه فيآخر مقال كتبته، نُشر قبل وفاتها بأيام، تقول فيه: “هناك حالياً بعض الجُمَعْ في البلدان العربية هي موقع لبشر لديهم موقف، بعضهم للدفاع وبعضهم للهجوم، من مؤيدين أو موالين، مستقلين أو حزبيين، أحزاب حاكمة وأحزاب معارضة، ومستقلين فاض بهم الكيل فخرج شبابهم الذين لم يعد لديهم ما يفقدونه سوى أرواحهم فخرجوا للحل أو للشهادة. أما أنا، فكان لدي قلمي ورأسي اللذان توقفا معاً عن العمل حتى يأتي الفرج أو يزورني ملائكة الجنة. أودعكم وأفرغ قلمي من حبره وستسكت شهرزاد عن الكلام المباح”.

سكتت شهرزاد ولكن إرثها ما زال حيّاً. لا أتصور أن أي فرد من محيط العمل المدني التنظيمي في اليمن، لا يعرف أو لم يستقِ أي معرفة من المعلمة والكاتبة والناشطة الدكتورة. تركت أثراً محلياً وإقليمياً وبل عالمياً. تخبرني الأكاديمية الأميركية صديقة رؤوفة، ستيسي فيلبريك ياداف كيف أن رؤوفة كانت معلمة ممتازة بالدرجة الأولى، ففي أوائل لقاءاتهما كانت الدكتورة تشرح لستيسي فيلبريك ياداف عن الحراك النسوي في أميركا وأعطتها مثالاً عن “قائمة أيميلي” وهي لجنة سياسية نسوية عملت على تعزيز حق النساء في أميركا في العمل السياسي. تقول لي ستيسي فيلبريك ياداف: “لم أكن أعرف شيئاً عن ذلك، ومنذ حينها وأنا أدرِّس ذلك المثال لطلابي. الدكتورة رؤوفة نموذج مميز لنسوية آمنت بقضية النساء أينما كانوا، سواء في اليمن أو أميركا.”

اليوم وحرب اليمن تدمر أشياء كثيرة جميلة، أريد أن أقف لحظة وأحيّي ذكرى الدكتورة. لا أجد نموذجاً أهم وأكبر من رؤوفة حسن لشخصية يمنية صمدت على رغم الصعاب كلها، في سبيل النهوض بمجتمعها. أرى الإحباط يغمر كل من حولي من أفراد ومنظمات في المجتمع المدني اليمني، وأريد أن أسجل نقطة اعتراض وأقول إن هذه ليست المرة الأولى التي يعمل فيها نشطاء مثلنا في ظرف استثنائي كالذي في اليمن! على الأقل هذا ما تعلمته من التفكّر في ذكرى رؤوفة حسن. كنت ولا أزال أجد الدكتورة ملهمتي، حتى بعد سبع سنوات على غيابها.

*كاتبة المقال: أفراح ناصر

10.1.18

هل الحل السياسي ما يزال ممكنًا في اليمن؟



*يشير انتهاء الحلف بين صالح والحوثي إلى بداية فصل جديد في الصراع اليمني المستعصي. عقب موت صالح بأسبوعين، قامت الفصائل المتحاربة تكثيف تصعيد عملياتها العسكرية، مما زاد من تكلفة الضحايا البشرية الباهظة بالفعل. بالرغم من الإرث الذي تركته تكتيكات صالح المدمرة والقمع، إلا أن موته يقوض من جهود حل الصراع. إذ أن الحوثيين -وهي جماعة غير عقلانية تفتقر إلى الخبرة السياسية- يشكلون شريكاً عاطفياً لا يعتمد عليه على طاولة المفاوضات. مع وفاة صالح، فإن فرصة التفاوض مع طرف براجماتي ذي علاقات سياسية ودبلوماسية راسخة على الصعيدين المحلي والدولي لم تعد موجودة. يبقى في اليمن ما بعد صالح سؤال: هل ما يزال هناك افق لحل سياسي؟

القضية الأخطر فيما يتعلق بجهود التفاوض هو غيابها لمدة تزيد عن عام. قبل موته بأيام، قدم صالح نفسه كمفاوض، معبرًا عن استعداده للمحادثات مع المملكة العربية السعودية. لو أنه ظل على قيد الحياة، لكانت هذه المحادثات قد تم تفعيلها عن طريق إطار عمل تحت إشراف الأمم المتحدة، بقرار مجلس الأمن رقم 2216، والذي دعا صالح لتغيير سياساته التي تزعزع الاستقرار، ووقف جهود تسهيل تسليح الحوثيين، والعودة إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني. منذ موته، لم يمرر مجلس الأمن قرارا معدلًا متماشيًا مع التطورات الأخيرة، وبدلًا من ذلك، عُقد اجتماعاً مغلقاً حول الوضع في اليمن، وببساطة طالب المجلس بعدم التصعيد.

ومع الافتقار الواضح للإلحاح على إعادة إنتاج الحل السياسي، فإن الاقتتال على الأرض قد تصاعد، وظهرت أحلاف جديدة تنذر بالمزيد من التصعيد العسكري. على الرغم من ضرورته، إلا أن مناقشة حل سياسي جديد للصراع يبدو سابقًا لأوانه الآن. والسبب ليس فقط الرغبة المتزايدة في المنافسة العسكرية التي أدت إلى تقويض احتمالات التوصل إلى حل تفاوضي، بل أيضا النهج التكتيكي المعيب الذي تقوده السعودية والذي يهدف إلى توحيد الفصائل المحلية اليمنية ضد الحوثيين.

بينما لا يستطيع أي من المعسكرين السعودي أوالحوثي ادعاء الغلبة العسكرية، فإنالحوثيين اكتسبوا قوة عسكرية هامة منذ اندلاع الحرب. عقب السيطرة على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014 بدعم من صالح، تمكن الحوثيون من الحصول على موارد ذات قيمة من الجيش الوطني المُفتت. وبسبب انتصاراتهم المبدئية والدعم الإيراني والشهوة للسيطرة الكاملة قابل الحوثيين أي معارضة بالعنف. خيانة صالح بالنسبة لهم تبرر إعدامه المهين، والقمع اللاحق لكل من تحالف معه. نشرت الصحف المحلية في تقاريرها تهديدات الحوثيين وقصفهم للقبائل المنشقة الداعمة لصالح.

وعملاً بمبدأ “الرابح يأخذ كل شيء”، يفتقر الحوثيون إلى الحكمة والفهم الدقيق مما أدى إلى تقويض جهود الدبلوماسية القبلية المحلية في حل الصراعات المحلية. ومع قلة الاهتمام بأي مفاوضات حتى المحلية منها، فإن فرص انخراطهم مع مفاوضين دوليين بحسن نية يبدو غير وارد.

27.9.17

فشل الأمم المتحدة المتزايد في اليمن


بالرغم من المحاولتين الفاشلتين السابقتين لتمرير مشروع قرار لتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة حول جرائم الحرب المحتملة في اليمن، فإن 67 منظمة حقوقية بادروا بند أخر يطالبون فيه بتشكيل لجنة تحقيق في هذا الشأن. إن المطالبة بتشكيل لجنة من غير المحتمل أن تنجح، لكن إذا تم تشكيلها فإنها تواجه مخاطرة أن يتم خطفها من جانب مصالح الدول وأن تفشل في محاسبة بعض الأطراف، خاصة أعضاء الائتلاف الذي تقوده السعودية، والتي تتمتع بنفوذ في الأمم المتحدة.

قتل حوالي 10 آلاف مدني في حرب اليمن – وهو ما تسميه الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية الأكبر في العالم. من الغريب أن مختلف هيئات الأمم المتحدة يعلنون أرقام مختلفة. في العام الماضي صرحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأن هناك 10 آلاف مدني تم قتلهم في اليمن منذ مارس/آذار 2015 (أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان لنا أن العدد المذكور يخص المدنيين، حيث أن بعض المصادر أطلقت لفظ “الناس” على القتلى). إلا أنه في سبتمبر/أيلول سنة 2017 ادعى تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بإن القتلى يبلغ عددهم خمسة آلاف فقط من المدنيين الذين قتلوا منذ مارس/آذار 2015. محاولة تفسير التغير في العدد أمر صعب، فمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تجمع معلوماتها من مرافق الصحة، لكن المفوضية لم تبلغ عن منهجيتها. فعلى سبيل المثال، لو أنهم يقومون بزيارة المواقع، فإنه سيتم منعهم من بعض المناطق، وهو أمر يمارسه الطرفان في الحرب، مما سيحد من قدرتهم على جمع المعلومات الدقيقة.

يظهر سجل الأمم المتحدة في الحرب الأهلية باليمن أنها كثيراً ما تتهرب من القضايا الرئيسية، مما يدفع المنتقدين إلى القول بأنها رهن مصالح الدول. هناك العديد من التقارير أصدرتها منظمات حقوق الإنسان الدولية تظهر أن الفصائل المتحاربة ارتكبت فظائع ترقى لجرائم الحرب. على الرغم من ذلك، فإن هذه التقارير لم تؤثر بقوة في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أو هيئاتها الكبرى. في عام 2015، تبنى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ما وصفته منظمة هيومان رايتس ووتش بالقرار “المعيب للغاية” متخلياً عن مشروع قرار تحت قيادة هولندا بإنشاء لجنة تحقيق مستقلة، بسبب الضغوط التي مارستها السعودية “والدعم غير الكافي” من عضوي مجلس الأمن الدائمين، الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. خلق القرار الذي تم تمريره هيئة تقصي حقاق تحت قيادة السعودية والحكومة اليمنية المقيمة بالرياض – الحلف الذي يقاتل ضد المتمردين في اليمن – ولم تقم هذه الهيئة بإنتاج تقارير ذات بال. في عام 2016، رفضت المملكة المتحدة طلبا آخر لتأسيس لجنة تقصي حقائق دولية ومستقلة. تعكس هذه المعركة غير المجدية من أجل الحقوق أكثر ما يرغب فيه أعضاء الأمم المتحدة المتنفذون في أي عملية محاسبة مستقبلية في حرب اليمن.

إذا نجحت المطالبة بلجنة مستقلة، فمن المحتمل أن ينتج عنها هيئة شديدة التحيز. إذن فهذه مخاطرة قد تؤدي ليس إلى فشل اللجنة في القيام بتحقيق مناسب فيما يتعلق بجرائم الحرب، ولكن الفشل في هذه المهمة سيضفي الشرعية على بعض الفصائل المتحاربة وأعمالهم، مما قد يزيد الوضع سوءا في الصراع، فقرارات الأمم المتحدة حتى الآن تظهر ذلك.

في عام 2011، قامت الأمم المتحدة، بمساعدة مجلس التعاون الخليجي، بقيادةاتفاق لنقل السلطة. بالرغم من ذلك، فإن الاتفاق لم يشتمل على عملية عدالة انتقالية، وضمنت الحصانة للرئيس السابق علي عبد الله صالح والأطراف في دائرته المقربة، مما فتح الباب لصالح كي يستمر في تأجيج الصراعات الداخلية. في عام 2015، أعطى تمرير قرار 2216 لمجلس الأمن شرعية دولية للعمليات العسكرية للائتلاف بقيادة السعودية بدعم من اثنين، هما الأقوى، من بين الدول أعضاء مجلس الأمن (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة). كان الدافع وراء هذا القرار هو خطاب كتبه الرئيس اليميني عبد ربه منصور هادي لمجلس الأمن يرجو فيه مجلس التعاون الخليجي “بأن يقدموا الدعم الفوري، وكل الوسائل والتدابير اللازمة، بما في ذلك التدخل العسكري، لحماية اليمن وشعبه من عدوان الحوثيين المستمر.” بالرغم من أن قرار 2216 تمت صياغته في إطار تحقيق السلام والاستقرار لليمن، إلا أنه كان هناك انتقاد خاص ضد الحوثيين. كان القرار بمثابة دعم معلن لجهود مجلس التعاون الخليجي، وفرض حظراً على توريد السلاح لصالح والحوثيين. لم تتم المطالبة بنزع السلاح سوى من الحوثيين. وقد صدر القرار بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وفتح الباب أمام التدخل الدولي وإضفاء الشرعية على النهج العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية. وفي حين أن النزاعات الداخلية السياسية والعسكرية ليست جديدة في اليمن، فإن إضفاء الشرعية على التدخل العسكري الدولي بدون آلية لضمان حماية الحقوق يقوض الآليات التقليدية وحل النزاعات المحلية، ويزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية.

تعود أسباب الفشل الممنهج للأمم المتحدة في اتخاذ خطوات إيجابية نحو تحميل الائتلاف الذي تقوده السعودية المسئولية إلى أنها خاضعة للدول التي تمثلها وتعتمد على تمويلها. على سبيل المثال، فإن السعودية تمكنت من إجبار الأمم المتحدة على سحب الائتلاف الذي تقوده السعودية من قائمة العار السنوية بسبب الانتهاكات الذي ارتكبها ضد الأطفال في اليمن. من المفترض أن السحب جاء عقب تهديدات السعودية بسحب مئات الملايين من الدولارات من المساعدات التي تقدمها للأمم المتحدة، على الرغم أن السعودية تنكر أنها قامت بذلك.

ما يزيد من التقليل من شأن عمليات الأمم المتحدة في اليمن هو أن أحد أعضاء مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هو السعودية، والتي تتمتع بالعضوية على الرغم من سجل حقوق الإنسان السيء لها وتصنيفها كدولة “غير حرة” في تقرير فريدم هاوس “الحرية في العالم”. شغل هذا المنصب من المفترض أنه يعطي الفرصة للترويج وحماية حقوق الإنسان وتعزيز آليات حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لكن السعودية، على النقيض من ذلك، استغلته لمنع لجنة من المجلس من زيارة السعودية، واعتقلت مواطنين سعوديين تحدثوا لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

إن سلوك الأمم المتحدة حيال اليمن ليس بالسلوك غير المسبوق. في أثناء الحرب الأهلية في سيريلانكا بين عامي (1983-2009)، فشلت الأمم المتحدة في حماية المدنيين، وأظهرت ضعفاً في اتخاذ سياسات توقف الفظائع، والسبب الرئيسي في ذلك يعود لضغوط المملكة المتحدة، والتي كانت تحتفظ بصلات استعمارية في جنوب آسيا، وهناك مثال معاصر آخر، ألا وهو فشل مجلس الأمن في اتخاذ إجراءات حاسمة لإنهاء الحرب في سوريا.

وجه الاختلاف في حالة اليمن يكمن في أن الدولة الرئيسية التي تمنع الأمم المتحدة من اتخاذ إجراءات حاسمة هي السعودية، وهى ليست عضو في مجلس الأمن، وحتى لو هى عضو ليس لديها حق الفيتو. إلا أن الداعمين الأساسيين للسعودية هما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهما عضوان دائمان في مجلس الأمن. لدى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة علاقات اقتصادية وأمنية قوية مع السعودية، فهما يعتبران السعودية شريكاً لهم في مكافحة التطرف العنيف في المنطقة، كما أنهما يعتمدان على النفط السعودي، كما أن الدولة الخليجية عميل هام في شراء السلاح من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

بدون دعم سياسي كامل، فإن لجنة تقصي الحقائق ستكون غير مثمرة على الأغلب. ففي الشهر الماضي، استقالت كارلا ديل بونتي من لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في سوريا، مصرحة أن انعدام الدعم السياسي من قبل مجلس الأمن جعل من المهمة أمر مستحيل. إذا وضعنا في الاعتبار هذه التحديات، وحقيقة أن آليات الأمم المتحدة تسببت في تبعات مأساوية في الصراع اليمني، فإنه على الأمم المتحدة التفكير أولا في كيفية دفع السعودية والولايات المتحدة والمملكة المتحدة لإظهار رغبة سياسية لإنهاء حرب اليمن. يمكن للأمم المتحدة أن تستفيد من دورها كوسيط وأن تلفت الانتباه إلى التكاليف المالية والإنسانية بعيدة الأمد، والتأكيد على أن عدم الاستقرار في البلاد يشكل أرضاً خصبة لنمو الجماعات المتطرفة.

يتطلب إنهاء الحرب في اليمن وإحلال الاستقرار في البلاد التفكير في منهج يوازن بين الاحتياج إلى الأمن مع العدالة الانتقالية وتشكيل حكومة متجاوبة وديمقراطية. لا تعد هذه مهمة صغيرة، لكن الخطوة الأولى يجب أن تكون بإقناع الائتلاف بقيادة السعودية بإن هذه هي المصلحة الأفضل.

____________________________________________________________________
بقلم أفراح ناصر، نُشر المقال في الأول على مركز رفيق الحريري في  مركز الأتلانتيك بتاريخ ٢١ سبتمبر ٢٠١٧. 

19.7.17

أتمنى أن يكون منحي جائزة الصحافة الدولية رسالة للفت انتباه العالم لقضية اليمن



سعدت جداً بكلمات التبريكات والتهاني التي وصلتني من أرجاء العالم. وأجمل التبريكات كانت من أخواني وأخواتي اليمنيين\ات في الداخل والخارج. أنا ممتنة جدا للحب الذي غمرتموني به. الف مليون شكراً! وأشكر أيضاً منظمة حماية الصحافيين العريقة على منحي الجائزة وهي المنظمة التي احترمها جدا وكبرتُ وأنا أتعلم منها مبادئ حرية الصحافة. ممتنة جدا فلم يكن في خاطري يوم من الأيام أن أكون محط نظر هذه المنظمة فما بالكم بأن تهديني جائزة على عملي المتواضع جدا. 


منحي الجائزة ليس لي فقط وإنما هي أيضاً جائزة ضمنية ورمزية لكل صحافي اليمن الذين يذوقون الأمرين في سبيل ممارسة هذه المهنة الشاقة. كفاحي في مهنة الصحافة هي قصة كل صحافي وصحافية يمني ويمنية كافحوا ولا زالوا يكافحون حتى يعلو صوت الحقيقة. وكم أقدر ذلك جداً. 



أثناء دراستي في جامعة صنعاء، في مرة من المرات، سألني أحد معلمي، ماذا تريدين أن تصبحي بعد التخرج يا أفراح؟ جاوبت: أريد أن أكون كاتبة. ضحك المعلم وسخر مني: اذا سوف تموتين وأنتِ فقيرة ولن يعرف أو يقرأ عنك أحد. كم كان مخطئاً!


للأسف في مجتمعاتنا نتوقع دائما من الفتيات أن تكون أحلامهن صغيرة وطموحاتهن أصغر. نتوقع من النساء الكاتبات بأن يهتمين فقط بالمواضيع الناعمة السهلة وأن يتجنبنّ المواضيع الجدية المعقدة. لم أؤمن بكل هذه الهرطقات يوما ما. 



بدأت الكتابة منذ أن كان عمري ١٥ في دفاتر ذكرياتي، ثم بدأت الكتابة في الصحف منذ أن كنت في ال٢٠ من عمري. وأدرك اليوم أن أكتب منذ أكثر من نصف عمري. عندما بدأت امتهنت الصحافة في نهاية ٢٠٠٨ كنت أطير من الفرح، فقد جاءت الفرصة بأن أتقاضى راتب في عمل شيء أعشق عمله. وعندما بدأت ثورة اليمن في ٢٠١١ شعرت برغبة ملحة بأن أكتب قصص أكثر وأكثر عن شجاعة شعبي. شعرت أيضاَ بمشكلة في التغطية الإعلامية عن اليمن في الإعلام الدولي، فلم يكن هناك الكثير من الصحافيين اليمنيين المحليين الذين يكتبون عن اليمن بالإنجليزية ويخاطبون المجتمع الدولي. ولهذا أنشأت مدونة على الإنترنت. 



لم أتوقع أبداً أن يقرأ المدونة أحد. ولا أخفي عليكم، حتى اليوم، هناك لحظات أستغرب فيها مدى القراءة التي تتمتع بها المدونة اليوم. عندما أنشئت المدونة كان همي الأول هو أن يكون لي حاضنة لكل القصص التي كانت في جعبتي. كنت أشعر برغبة ملحة في أن أحكي وأحكي للعالم عن قصص شعبي. ولهذا واصلت التدوين. 



اليوم أدرك جيدا أن التاريخ يشهد بأن لم يحدث أي تغيير في العالم بدون حرية التعبير وحرية الصحافة. كيف لنا أن نصنع التغيير دون أن ننطق به أولاً؟ حرية التعبير والصحافة هي الأداة الأساسية لأي تغيير. وهكذا أراد جيلي في ثورة فبراير في اليمن حرية التعبير والتغيير، وأنا كنت معهم في ذلك. حتى اليوم دونت على مدونتي مايقارب من الألف قصة وكتبت بالمراسلة مع العديد من الصحف والمجلات. وأدرك جيدا بأن هذا يعتبر لاشيء، فمازال الكثير ليكتب عن شعبي، شعب الملكة بلقيس. أريد أن أكتب وأكتب وأكتب فأنا أنزف قصصً. قصصً عن اليمن. 


الجائزة اليوم هي رسالة للعالم للفت انتباه العالم للصعاب التي يتعرض لها صحافي وكتاب اليمن الذين رفضوا أن يطبلوا لها الفريق أو ذاك في مناخ الاستقطاب السياسي الحاد في الشأن اليمني. هي رسالة للفت انتباه العالم بالشر المحدق بصحافي وكتاب اليمن. اليوم اذا انت صحفي يمني تحترم قلمك انت في موقف صعب. إما أنك في السجن، تحت التعذيب، والإهانة، والمحاكمة، أو التهديد أو هارب من رصاصة القناصين، أم أنك آثرت أن تسكت. اليوم الصحفي اليمني بين خيارين لا ثالث لهما، إما أنك تظل في البلاد وتكتب وتواجه الموت، أو أن تختار الهروب والصمت. حتى اشرح الوضع الكارثي الذي تعاني منه الصحافة في اليمن في وسط الحرب كتبت هذا المقال من فترة بسيطة: https://goo.gl/bcJjwk



ماأريد أن أقوله هو أن قضية الصحافيين والصحافيات في اليمن هي قضية تعكس قضية الوطن والمعاناة التي يذوقها أبناء شعبي. قضية اليمن هي قضية عدالة يتحمل مسؤوليتها القريب قبل الغريب. 

11.7.17

على العالم استشعار واجبه امام الازمة الانسانية الحاصلة في اليمن

*"لطالما تمنيت لو لم يعش اليمن هذه الحرب, لطالما وددتُ بان تتوفر مقومات الحياة الأساسية كالغذاء, الكهرباء و المياه النظيفة من أجل العودة اليها والعيش فيها سعداء".
سنجد أن كل طفل يمني ذو العشر سنوات يروي لنا أحلامه وتطلعاته بعودة السلام إلى اليمن, فالصراع المحتدم فيها جعل من شبح المجاعة هاجساً يسيطر على الشعب اليمني, اضف إلى ذلك ان ما يقرب من ثلاثمائة وعشرون الف طفل يعانون بالفعل من سوء تغذية حاد.
وعلى الرغم من الافتقار إلى وجود الاحصائيات الدقيقة إلا أن العديد من التقارير تشير إلى أن العديد من الأطفال الذين ولدوا خلال فترة الصراع توفوا وذلك نتيجة لسوء التغذية الحاد وانهيار النظام الصحي في اليمن. فبعد مرور ثمانية عشر شهراً  من اندلاع الحرب في هذا البلد الذي يعتبر من افقر دول العالم، غرق اليمن في وضع اسوء مما كان عليه.

ففي العام الماضي لخص بيتر مورير، رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، النتائج المأساوية  المترتبة لهذه الحرب. حيث اعتبر ان الوضع المأساوي الذي تعيشه اليمن بعد مرور خمسة اشهر  على الحرب اشبه بالوضع الذي تعيشه سوريا بالرغم من مرور خمس سنوات على اندلاع الصراع فيها. فالأضرار شديدة الاثر تنمو بشكل يومي في الساحة اليمنية كما أن احد الأسباب التي قد تؤدي إلى الوفاة في اليمن لم يعد حكراً على الرصاص والقذائف، فالانخفاض الشديد الذي اصاب القطاع الاقتصادي والقطاع الصحي يتصدران القائمة.


لم يعد بإمكان احد حصر عدد الذين ماتوا بسبب الوضع الإنساني الكارثي الذي تعيشه اليمن من الاقرباء والأصدقاء. فبعد الاعلان عن فشل محادثات السلام والظهور المبكر لشبح المجاعة, يعتبر الشغل الشاغل الذي يؤرق هاجس الشعب اليمني هو كيفية توفير الغذاء والخروج من هذا المأزق اكثر من سعيهم نحو ارساء السلام.


الغذاء والسلاح وجهان لعملة واحدة
تعيش البلدان التي تصطلي بنيران الحروب مراحل تمهيدية قبل اندلاعها فيها, فشحة المواد الغذائية يعتبر من أهم الاسباب حيث ساد الجوع بالفعل في اليمن قبل وقت طويل من بدء الحرب في شهر مارس من العام 2015, وبالتالي خيم شبح انعدام الامن الغذائي على اليمن منذ سنوات عديدة الى ان  وجد اليمن نفسه في اخر مؤشر للتنمية البشرية الذي ابتكرته هيئة الامم المتحدة والذي يشير إلى مستوى رفاهية الشعوب, هذا في الوقت الذي جنى فيها الرئيس المخلوع على عبد الله صالح المليارات.


ادت ثورات الربيع العربي التي جابت اصقاع اليمن إلى تدهور القطاع الاقتصادي وبحسب التقرير الصادر عن منظمة هيئة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو" في العام 2014 فقد ثار الشعب ضد الفساد المتفشي في البلد, عدم المساواة الاجتماعية والتوزيع غير العادل للثروة الوطنية.


 اضف إلى ذلك الوهن الذي اصاب قطاع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السنوات الأخيرة والذي يرجع في المقام الاول إلى عدم الاستقرار وضعف الإدارة.


أما اليوم فقد تأزم الوضع بشكل ملحوظ جراء الصراع الدائر في اليمن ومن جانبه فقد اشار برنامج الأغذية العالمي" بي إي أم" إلى ان نقص الوقود والقيود المفروضة على الواردات ادى إلى نقص شديد في السلع الغذائية في اليمن وبالتالي فهذا من بين اهم الاسباب التي ادت إلى تدهور الوضع العام في اليمن.


بيد أن السبب الرئيسي الذي ادى إلى تدهور الوضع الاقتصادي وخلق ازمة غذائية -مجاعة- يتلخص في استخدام الغذاء كسلاح في اوقات الحروب من قبل جميع الاطراف.


فرض التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية الحصار على الموانئ الرئيسية في اليمن مما يعرض حياة الملايين من الشعب اليمني للخطر جراء انعدام المشتقات النفطية في المرافق الطبية  اضافة إلى شحة المواد الغذائية والمستلزمات الطبية.


اشار احد الصحفيين التابعين لهيئة الامم المتحدة إلى ان وكالات الإغاثة تكافح من أجل  تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اليمني في الوقت الذي تعكف فيه الرياض على شد وثاق الخناق على المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون, اضف إلى ذلك فقد عمدت قوات التحالف العربي على تدمير ما يقرب من 90%  من الجسور و الطرق الرئيسية التي من خلالها يمكن لمنظمات الاغاثة إيصال المساعدات التي تشرف عليها هيئة الامم المتحدة.


وفي نفس الوقت فهذا لا يدرأ هذه التهم عن القوات التابعة  لجماعة الحوثي الموالية لعلي عبد الله صالح فهم يستخدمون نفس الاساليب التي سبقتهم اليها قوات التحالف العربي, ذلك انهم عاكفون على استخدام المواد الغذائية كسلاح في مناطق احتدام الصراع كمدينة تعز. فالسكان المحاصرون في هذه المدينة لم يعد بمقدورهم الحصول على الموارد المائية, المواد الغذائية والمشتقات النفطية جراء اطباق الحصار على المدينة.


ادى هذا الوضع إلى انشاء ما يعرف بالسوق السوداء حيث ترتفع أسعار السلع الأساسية مما يسمح لعدد قليل من الناس الحصول عليها.


ونتيجة لذلك فان ضنك الحياة وشحه المواد الغذائية سيد الموقف العام في اليمن, ففي الفترة التي سبقة اندلاع الحرب في اليمن اشار البنك الدولي إلى ان ما يقرب من 50% من الشعب اليمني يعيشون تحت مستوى خط الفقر  ولكن هذا الرقم واصل السير قدماً حتى وصل إلى 80٪.  


ايقاف المجاعة:


تشير هذه الاحصائيات الصادمة إلى ان اليمن اصبح على شفا جرف هار فشبح المجاعة يطارد الشعب اليمني ناهيك عن عدم وجود  شيء يوحي بان الحرب شارفت على الانتهاء.


مر اكثر من عام على الحرب في اليمن إلا ان المجتمع الدولي اختار ان يغض طرفه عما يحصل فيها, فكل المؤشرات تدل على وقوع اليمن في شرك المجاعة فهذا الامر اصبح وشيكاَ و لا مفر منه.


ان خطر المجاعة الذي يتربص باليمن يُعتبر اشد وطأه من انتهاكات حقوق الانسان كما انه لمن العار ان نرى الخطر الذي يحدق باليمن رغم انه بلدا يحادد أغنى بلدان العالم.


ما الذي ينتظره المجتمع الدولي  من اجل العمل على إيقاف هذا البلد من السير نحو الهاوية, فالعديد من التقارير و الشهادات تجسد المعاناة التي لا يزال يتجرعها الشعب اليمني.
ان الشئ الوحيد الذي سيعمل على اعادة الحياة لهذا الشعب يكمن في تكثيف الجهود الإنسانية والدبلوماسية الدولية, فاليمن بحاجة إلى تكافل عالمي من اجل الحد من تفاقم الازمة الانسانية التي تهدد ثمانية وعشرون مليون نسمة.  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*بقلم : افراح ناصر. نُشر المقال أولاً على موقع ميديل ايست اي بتاريخ ٣١ أغسطس ٢٠١٦. الترجمة الى العربية من قبل اسماء بجاش