8.3.19

قوانين غير منصفة وتمييز: هكذا تحتفل النساء العربيات بيوم المرأة العالمي



يحل يوم مرأة عالمي جديد هذا العام، والقليل قد تغير فيما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية الذي تسبب ولا يزال يسبب ظلماً كبيراً للمرأة في معظم الدول العربية، التي تتشارك في الكثير من هذه القوانين التي تتعارض مع المساواة والتعامل مع المرأة كمواطن له حقوق وواجبات بدون تمييز على أساس الجنس. ولكن السؤال هو ما سبب كل هذا التأخير؟ جانب من الإجابة مرتبط بالمناخ السياسي العام في البلدان العربية، وتقييد الحريات وخاصة بالنسبة للنساء، حيث نرى أن عدداً كبيراً من أولئك اللواتي أردن فعلاً العمل على تغيير ما، اضطررن لمغادرة دولهن والبحث عن موطن مؤقت جديد خوفاً من الترهيب والاعتقال أو حتى .. الأسوأ.


نزيهة سعيد، 38 عاماً، صحفية من البحرين، عملت مع قناة فرانس 24 وراديو مونت كارلو، نالت نصيبها من الترهيب، حيث واجهت حملات متكررة من النقد ومنعت من السفر خارج البحرين في شهر يونيو 2016 بعد اتهامها بممارسة مهنة الصحافة من دون ترخيص. كما سبق أن اعتقلت بعد التظاهرات في مايو 2011 وتعرّضت للتعذيب أثناء التحقيق. غادرت نزيهة البحرين لتستقر في أوروبا. تقول نزيهة أن وجود نساء في مناصب عليا في البحرين لا يعني أن الأمور تغيرت وتشرح ذلك بالقول: "رئيسة البرلمان البحريني امرأة، مع احترامي لشخصها، إلا أن وجود امرأة على رأس البرلمان وهي لا تستطيع منح أبنائها جنسيتها بالنسبة لي دعابة سمجة، كذلك ما معنى أن تشغل المرأة منصب رئيسة جمعية الصحافيين بالإضافة لمنصب الوزيرة والمديرة وغيرها من المناصب في ظل غياب حقوق أساسية للنساء. أرى أنه في كثير من الأحيان يتم استخدام النساء كدمى من قبل النظام السياسي لتجميل صورته."


تتمتع النساء بالبحرين بعدد من الحقوق مقارنة بالدول المحيطة بهن، مثل حق المرأة البحرينية في الانتخاب والترشح، بالإضافة إلى الخطوات التي يقوم بها المجلس الأعلى للمرأة لأجل النهوض بالمرأة وتعزيز مكانتها في المجتمع، إلا أن المرأة البحرينية كما تشير نزيهة: "لازالت لا تستطيع إعطاء جنسيتها لأبنائها وهو أبسط حقوق المواطنة، كذلك هي لا تستطيع استخراج الكثير من الوثائق سواء لها أو لأبنائها إلا بحضور ولي ذكر من الدرجة الأولى من القرابة،" وتضيف: "أما الزواج والطلاق والنفقة وحضانة الأطفال فجميعها تنظر في المحاكم الشرعية التي يديرها رجال دين من الطائفتين السنية والشيعية، لذا فأن الأحكام الصادرة مختلفة بحسب مزاج رجل الدين وتفسير الآيات وانحياز رجل الدين لطرف ضد الآخر."


من اليمن، تحدثت مع أفراح ناصر، 34 عاماً، من اليمن، كاتبة نسوية مقيمة في السويد، تركز في كتاباتها على الحاجات الآنية للنساء في اليمن، وقد بدأت عملها في صنعاء عام 2008. لا شك أنه من الصعب الحديث عن حقوق المرأة في بلد تقتله الحرب والمجاعة والكوليرا التي لا تفرق بين رجل وإمرأة وطفل: "أكبر مشكلات النساء كانت ولا تزال هي التمييز المؤسسي بين الجنسين والمصاعب الاجتماعية الاقتصادية نتيجة لحكم اليمن الفقير منذ فترة طويلة،" تقول أفراح: "لكن المشكلة الكبرى اليوم هي الحرب لهذا تبدو مشاكل الأمس وكأنها الأيام القديمة الجيدة التي نتحسّر عليها."


تشير أفراح الى حادثة تذكرتها اليوم: "استيقظت اليوم وتذكرت حادثاً مروعاً حصل عام 2017 حيث قامت امرأة تبلغ 40 عاماً في محافظة إب في اليمن قامت بابتلاع السم لإنهاء حياتها. وتسممت معها ابنتيها البالغتين 9 و 12 سنة، هذه عيّنة من معاناة النساء هناك."

تضيف أفراح الى أن الوضع في اليمن اختلف كثيراً بين عام 2008 واليوم. "في ذلك الوقت كان الوضع مسالماً وكانت تتاح للنساء الفرصة للمطالبة بحقوقهن. على سبيل المثال هذه صورة من عام 2010 عندما كنت أتظاهر مع زملائي النساء، مطالبين بمنع زواج الأطفال، أما اليوم فباتت أولوياتنا متغيّر بحسب المساحة المتاحة والوضع. اختيار معركتك أمر حتمي مع انتقال اليمن من انتفاضة اليمن في 2011 لعملية انتقال سياسي، إلى حرب أهلية والآن حرب إقليمية ودولية."

على الرغم من صعوبة الوضع، ترى أفراح أن للمرأة دور مهم في وقف جرائم الحرب في اليمن: "يمكن أن نحصل على كسب التأييد لحقوق المرأة في اليمن من مستويات عديدة؛ على سبيل المثال، أولاً من خلال دفع صانعي السياسة الدوليين إلى التركيز على حقوق المرأة في اليمن في أي تعاون لديهم مع اليمن - أو من خلال تضخيم نشاط النساء الأخريات اليمنيات وتسليط الضوء عليهن أكثر. لقد أتيحت لي الفرصة لأكون جزءًا من الطريقتين - لكنني أفضل أن أشجع عمل النساء الأخريات من خلال كتاباتي."


وضع اليمن لا يختلف كثيراً عن سوريا، التي شهدت حرباً مدمرة لا تزال مستمرة من ثماني سنوات وأن كان الوضع قد هدأ حالياَ. هبة المحمد، 24 عاماً، ناشطة بحقوق المرأة والمجال الإنساني من سوريا، تقول أن التغيرات السياسية والعسكرية في سوريا انعسكت بطريقة واضحة على النساء لجهة حرمانهم من بعض الخدمات أو تعرّضهم للاستغلال الجنسي حسب الجهة التي تسيطر. وكانت عدة منظمات دولية صندوق الأمم المتحدة قد كشفت بين عامي 2017 و 2018 وجود انتهاكات في مجال الإغاثة الإنسانية، ومنها تقرير - أُعد لصالح صندوق الأمم المتحدة للسكان - كشف النقاب عن أن عمليات مقايضة المساعدات بالجنس لا تزال مستمرة في جنوب سوريا.

القضية في سوريا كما تشير هبة، ليست مشكلة قوانين، بل مشكلة عادات وتقاليد كما تقول: "قوانين الطلاق والانفصال والحضانة تكاد تكون غير مهمة في سوريا على الرغم من وجودها، لأنه في حال حصول طلاق، حتى لو كان القانون يقف إلى جانب المرأة ويمنحها حق الحضانة، هناك عادات وتقاليد تسيطر عليها من قبل المجتمع، حتى إن كان القانون يدعمها، المجتمع سيمنعها، بمعنى أن المجتمع نفسه يهمّش القانون أحياناً. للأسف المجتمع يلعب دوراً أقوى من القانون في عدة مناطق في سوريا، كحرمان المرأة بشكل كامل من حقها في الإرث حتى لا تذهب حصتها لزوجها الحالي أو المستقبلي."

تشير هبة إلى أن النظام السوري الحاكم يحاول إعطاء صورة تجميلية عن وضع المرأة، ولكنها أمور"شكلية، وأبسط مثال هو عدم وجود نساء في مناصب صنع القرار،" تقول هبة وتضيف أن الوضع اليوم أسوأ في مناطق سيطرة المعارضة "حيث يتم النيل من حقوق المرأة تذرّعاً بالوضع غير المستقر والحرب فيُصار إلى لوم عدم الاستقرار الأمني على كل ما يحصل من انتهاكات لحقوق النساء وتبرير عدم وجود الوقت لنشر حملات توعية ودعم."

ومن سوريا للعراق. سهى عودة، صحفية وإعلامية إذاعية عراقية من مدينة الموصل، تتحدث عن ارتفاع حالات العنف ضد النساء في العراق قبل وبعد انسحاب داعش، وأبرز الانتهاكات ضد النساء تحصل في المخيمات ومنها الابتزاز الجنسي، كما في حالة سوريا. فقد ذكرت تقارير عديدة تسجيل حالات من الابتزاز الجنسي في مخيمات العراق وتحديداً المخيمات التي تقبع فيها العائلات التي يتهم أبناؤها بأنهم من أعضاء تنظيم "داعش" في منطقتي نينوى والأنبار. كما شهد العراق حالات قتل غير مبررة لنساء ومنهنّ خبيرتا التجميل رفيف الياسري ورشا الحسن والناشطة الحقوقية سعاد العلي وتارة فارس – ولم تضح حتى اليوم أسباب القتل الحقيقية.

"لدينا حتى اليوم مواد قانونية تحرّض على قتل النساء ومنها المادة 409 من قانون العقوبات العراقي تحت مسمى غسل العار، حيث يصدر القانون العراقي أحكاما مخففة على الرجال الذين يقتلون زوجاتهم أو بناتهم تحت هذه الذريعة،" تقول سهى: "كما أنه ليس لدينا قوانين خاصة بالتحرش والابتزاز الجنسي، والبرلمان العراقي رافض حتى اليوم الموافقة على تشريع قانون الحماية من العنف الأسري، الذي كان يجب أن يشرّع من الدورة السابقة ولكن تمت المماطلة به وما زلنا ننتظر حتى اليوم."

تشير سهى أن صعوبة تشريع هذا القانون مرتبط بالخلفيات البرلمانية لأن المشاركون ذوو خلفيات عشائرية ودينية تعارض إعطاء أي حقوق للمرأة. "بعض الخيبات أيضاً تتمثل بنسبة تواجد النساء في مراكز القرار، حتى الموجودات غير قادرات على إحداث تغيير حقيقي اليوم. عندما تكون رغبتك بالتغيير لا تتلاءم مع رغبة المجتمع يتم وضعك في خانة التخوين ومحاولة عزلك لأنك مختلفة، وهو أمر نختبره كنساء طوال الوقت. والمرأة بحد ذاتها تشكل تحدياً لأنها ترعرعت في مجتمع مشابه لذا نجد أن لدى بعض النساء أفكار ذكورية أيضاً."


الليبية أسمى خليفة، 29 عاماً، التي تقيم في أوروبا وتتنقل للعمل بين تونس وليبيا، وقد ساعدت بإطلاق عدد من المبادرات لدعم المرأة، تشير إلى أن ليبيا كانت تعتبر متقدمة بشكل شكلياً مقارنة بعدد من البلدان الأخرى فيما يتعلق بالطلاق والحضانة تحديداً. "بالنسبة لقوانين الزواج، فالسن القانوني للزواج هو بين الـ 20 و 21 سنة، كما اعتمدت ليبيا قانونية تسجيل الزيجات مدنياً في المحكمة. إلا أن الأمور تغيرت بعد الحرب الأهلية عام 2014،" تقول أسمى التي تتابع دراستها للحيازة على الدكتوراه في تأثير الحرب على العلاقات بين الوكالات وبين الجنسين، وتضيف: "حاول البرلمان الليبي تعديل قوانين الزواج لجعله أكثر تقييداً وخفض السن القانوني للزواج، وحاولوا أيضاً طرح فكرة "بيت الطاعة" للنساء. ولكن حتى مع عدم تشريع هذه القوانين، الخوف الأكبر هو من إمكانية اتباعها في المناطق الريفية حتى وإن لم تكن مشرّعة قانونياً."

وتضيف أسمى: "إلى حدٍ ما، لا تهم تقدمية القوانين ما لم تكن لدينا آليات مفعّلة للمتابعة والتطبيق، وكون بلادنا والحكومة تعاني من الشلل التام للقيام بشيء حيال ذلك، لذلك من الناحية العملية لا توجد قوانين كافية لحماية النساء بشكل تام، وهنا عندما يحصل الخلاف وفي حالات كثيرة، غالباً ما تتدخل العائلات أو العشائر وعادةً يكون تأثير ذلك التدخل سلبياً."

الصحفية المصرية جيجي رجب، 26 عاماً، تركز في عملها الصحفي وبحثها الجامعي الذي تتابعه حالياً في الولايات المتحدة على انتهاكات حقوق الإنسان والقضايا الاجتماعية. مصر طبعاً قصة كبيرة، فهناك نظام قمعي على الرجال والنساء ولكن إذا تحدثنا عن المرأة بشكل خاص، تشير جيجي الى من الصعب أن تكوني امرأة بشكل عام في مصر وتضيف: "من أكثر الأمور تشويشًا حول كونك امرأة في مصر هو التحرش الجنسي." ويعتبر التحرش مشكلة أساسية في مصر حيث تشير دراسات عديدة إلى أن معظم النساء تعرضن له، وغالباً في الشارع أو وسائل النقل العام، فيما تعتبر القاهرة من أخطر المدن للنساء.

"قانون الأسرة في مصر غير عادل للمرأة على الإطلاق بالنسبة للميراث وللزواج والطلاق وحضانة الأطفال. بالنسبة للطلاق والحضانة، يمتلك الرجل المزيد من الحقوق التي تتيح له الحصول على حضانة الأطفال حتى إذا تزوج مرة أخرى، فيما لكن يمكن للمرأة أن تفقد طفلها بسهولة في حال قررت الزواج، وفقًا للقانون والثقافة العامة،" تضيف جيجي: "أعترف بأن لدينا مبادرات كبيرة لحقوق المرأة تعمل دائمًا على إصلاح الأمور وتغيير القوانين أو تعديل القوانين الحالية، لكن الموجود الآن تمييزي بامتياز."

طبعاً، من الصعب الحديث عن حقوق المرأة، بدون الحديث عن السعودية، سُمح للنساء أخيراً بسياقة السيارات، ولكن نظام الولاية لا يزال يتحكم في كل مفصل من حياة السعوديات وتتعرض الناشطات إلى الاعتقال (والتعذيب الجسدي حسب بعض المصادر) لهذا كان هناك تخوف من الحديث معي عن مطالب المرأة حالياً. في النهاية، قبلت ناشطة سعودية الحديث معي ولكن فضلت عدم مشاركة اسمها والحديث أكثر في العموميات. تشير الناشطة السعودية الى أن المشكلة الأساسية في بلدها هي العقليات الذكورية التي ترفض وجود امرأة مستقلة تُدير أمورها بنفسها وتضيف: "هذه العقليات الذكورية، سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً على فكرة، تحاول أن تضع العقبات تلو العقبات للمرأة المستقلة والتي ترى في نفسها كيان يستحق الاحترام. لكن الذي أثق به كثيراً هو أن هذه النوعية تمثل نفسها تماماً، وتمثل موروثها الذي تظن أنها قادرة على فرضه على الآخرين. طبعاً. هذه النوعية موجودة في كل المجتمعات وإن اختلفت نسبهم ومواقعهم الاجتماعية."

على الرغم من ما كل الظلم الذي تتعرض له الناشطات والنساء في السعودية، إلا أن هذه الناشطة واثقة بالمستقبل، لأنه لا سبيل للعودة للخلف، الطريق هي الى الأمام فقط: "أنا واثقة جداً أن كل شيء سيكون أفضل، نحن نمضي قُدماً في مجال حقوق المرأة، بصرف النظر عن "العوائق" الحالية. هناك مستقبل مُشرق بانتظار النساء أنا متأكدة من ذلك."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

9.1.19

وأنا أيضاً أسأل: صحافية أم ناشطة؟





نشرت الصحافية ديانا مقلد مقالاً مصوّراً بعنوان “صحافية أم ناشطة؟”، فتناقش من خلال السؤال الذي تتلقاه عادةً في الفترة الأخيرة مواضيع عدّة: دور الصحافة، الموضوعية والنشاط الحقوقي وما هو الخط الفاصل بين كل تلك الأمور. تسأل ديانا “هل يحق لنا كصحافيين إعلان موقفنا الشخصي من حدث أو من قضية؟” في الخلاصة تستخلص ديانا مقلد، صاحبة 25 عاماً من الخبرة في المجال الصحافي، أن مهمة الصحافيين هي الوصول إلى الحقيقية، ونقل الخبر مع السياق اللازم، بصدق تام. “علينا أن نكون صادقين وليس حياديين”، تختم ديانا.

سؤال بطريركي

أجد أن هناك دلالة مهمة في عنوان المقال، فديانا لم تعنون مقالها المصوّر بـ “صحافيين أم ناشطين؟” أو “صحافيين/ات أم ناشطين/ات؟”. بالنسبة إلي هذا السؤال يُطرح فقط على النساء الصحافيات عموماً، ونادراً ما يُسأل الصحافي الرجل “صحافي أم ناشط؟”، فالسؤال الدارج للرجال الصحافيين “صحافي موضوعي أو صحافي منحاز؟”، كأن المجتمع يحب أن يشكّك في عمل الصحافية المرأة ويضعها في خانتين مختلفتين: “إما أنتِ صحافية أو لستِ صحافية من الأساس”. أما الصحافي الرجل فيوضع في إطارين ضمن الخانة نفسها: “أنت صحافي موضوعي أو صحافي غير موضوعي، لكنك تظل صحافياً في الخلاصة”. وكأن النظرة النمطية عن أن النساء تتحكّم بهن العاطفة (عكس الرجل) تطبّق على المرأة الصحافية أيضاً. رأيت كثيرات من الصحافيات اللواتي إذا ما كان لهن رأي اتُّهمن بأنهن عاطفيات منحازات إلى حقوق الإنسان. أما إذا أعرب الصحافيون الرجال عن رأيهم، فإما أن يكونوا مع هذا الحزب أو ذاك.


في نظري، السؤال “صحافية أم ناشطة؟” هو نتاج النظام البطريركي في المجتمعات العربية التي ترفض التكافؤ بين الرجال والنساء في نواحي الحياة كلها، ومنها مجال الصحافة والإعلام، وتحديداً الصحافة السياسية. الهيمنة الذكورية في الإعلام العربي تضع الأصوات النسائية في قوالب محدودة، فإذا ما أرادت الصحافية الأنثى أن تقتحم (بطبيعة الحال لا بد أن تدخل المجال بقوّة أمام التحديات والهيمنة الذكورية) هذا المجال، يتم التشكيك في اختيارها للمجال الذي تختاره، لا بل سيخبرونها أن “المجال السياسي ليس لها، وعليها فقط البقاء في المواضيع الترفيهية والإجتماعية”. وإذا ما خالفت هذه التوقعات يتم التشكيك في تغطيتها الصحافية وينظر إليها كناشطة وكأن هناك اعترافاً ضمنياً بأن اقتحامها المجال السياسي يعتبر نشاطاً راديكالياً.


أرى أن قلّة من الرجال الصحافيين يتم التشكيك بعملهم الصحافي وإدراجهم في خانة النشاط الحقوقي أو الإعلامي. لا يحتار نظام الإعلام العربي الذكوري في توصيف الإعلامي الذكر، ولكن دائماً يحتار في توصيف الأصوات النسائية، فهي تارة ناشطة حقوقية، أو ناشطة اجتماعية، أو ناشطة إعلامية. قد يكون أرشيف الصحافية أكبر من أرشيف الصحافي، إنما سيظل المجتمع يصفها بالناشطة وهو بالصحافي.


أتذكر جيداً التحديات التي واجهتها عندما بدأت العمل الصحافي قبل 10 أعوام. بعد أن تخرجت من كلية اللغات في جامعة صنعاء، كنت عازمة على أن أكون كاتبة وصحافية. لم يثنني كلام معلمي في الجامعة الذي قال لي إنني سأكون كاتبة مغمورة فقيرة، أو كلام أهلي أنه لا بد أن ألتزم بالمواضيع الاجتماعية، فليس لي مكان في المواضيع السياسية. كنت أرى أن توقعات كل من حولي، هي عكس ما أريد، إذ كنت أريد أكثر من ذلك. كنت أريد أن أكون صحافية مقروءة تعنى بالقضايا السياسية. كنت على قناعة عمياء بأن كوني أنثى لا يحدّد تطلعاتي أو معرفتي أو مهاراتي. اجتهادي وعملي الدؤوب فقط يحدّدان تطلعاتي. بعد التخرّج عام 2008 وجدت فرصة عمل في صحيفة يمن أوبزرفر (الصحيفة اليمنية الثانية في البلاد الناطقة بالإنكليزية الوحيدة في ذلك الوقت) وشققت طريقي في مناخ إعلامي يهيمن عليه الذكور. ولأنني لم أقتنع بأن كوني أمرأة سيحد من عملي، كنت أتصرّف من منطلق شغفي بالمهنة، وفي مرّات كثيرة كنت أتصرّف بقوة وصرامة. لا أنسى أنه في فترة كنت أنا الصحافية الأنثى الوحيدة في في غرفة التحرير في الصحيفة، ولأن شخصيتي القوية كانت واضحة فكان الزملاء ينعتونني بـ”السيد أفراح” Mr Afrah دلالة على أنني أقوم بعمل الرجال. وكأن هناك تناقضاً بين كوني امرأة وعملي الصحافي. الحق يقال كانت نية زملائي الرجال حسنة.


تجربتي مع برنامج الزمالة في الأمم المتحدة

بالعودة إلى سؤال ديانا مقلد “صحافية أم ناشطة؟”، أجد أن العمل الصحافي والعمل الحقوقي اليوم يتقاطعان بشكل واضح ومباشر. فمن جهة المنظمات الحقوقية تلعب دور صحافي استقصائي مهم، فمثلاً، كل من عمّال منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس واتش، أهم منظمتين حقوقيتين دوليتين اليوم، في مرات كثيرة يتصرّفون كصحافيين استقصائين. العام الماضي نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن أعمال وحشية في سجون الأسد في سوريا.

ومن جهة أخرى، صحافيو ومراسلو وسائل إعلامية كبرى، يلعبون دوراً مهماً في الكشف عن قضايا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فقط من خلال وضع الأسئلة الصعبة في المكان المناسب. كانت لي تجربة صحافية في الأمم المتحدة في نيويورك من خلال المشاركة في برنامج زمالة صحافية قبل شهور من هذا العام. من خلال اختلاطي مع مراسلي وسائل إعلامية كبيرة كـ”رويترز”، “سي بي اس”، “سي أن أن”، و”أ ف بي”، وغيرها، رأيت كيف أن الصحافي “الشاطر” هو الذي يطرح سؤالاً يكشف من خلاله انتهاكات حقوقية وقضايا فساد. فهل سؤال الصحافي هو نشاط حقوقي؟ بالطبع، لا. لكن سؤاله يكشف حقائق تساعد المنظمات الحقوقية في عملها.

فمثلاً، عندما تم الكشف عن تقريرقائمة العار عام 2016 للأمم المتحدة من مكتبها في نيويورك بخصوص أهم منتهكي حقوق الأطفال في العالم وكانت السعودية على رأسها، ثم اضطر الأمين العام حينها بان كي مون إلى مسح اسم السعودية، كانت الخطة أن يحدث كل ذلك في صمت. ولكن بعد استقصاء صحافي، تم الكشف عن كل ذلك، وفي النهاية، اضطر بان كي مون إلى الكشف عمّا جرى. في حديث لي مع هذا الصحافي الذي كان السبب وراء كشف الحقيقة، أخبرني بأنه يتلقى دوماً اتّهاماً بأنه غير حيادي ولكن لم يتّهمه أحد بأنه ناشط. لاحظوا الفرق. عندما نشكك بعمل الصحافي الرجل نقول إنه غير حيادي، أي انه ما زال ضمن مجال المهنة ولكنه غير حيادي، أما المرأة الصحافية فعندما نشكك بعملها نرميها فوراً خارج المهنة ونطلق عليها لقب ناشطة.

خلاصة القول، السؤال “صحافية أو ناشطة؟” يطاول النساء بالتحديد بشكل عام، وذلك حتى يتم تقويض دورهنّ وإضعاف الأصوات النسائية. أتمنى من كل الأصوات النسائية ألا تكترث لكل ذلك، وأن تواظب السيدات على عملهن بما يمليه عليهن شغفهن وقناعاتهن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نُشر هذا المقال أولاً على موقع درج بتاريخ ٣ يناير ٢٠١٩. 

14.12.18

هل يتحقق السلام أخيراً في اليمن؟


Image result for Houthis + closing


ما يزال من المبكّر للغاية الاعتقاد بأنَّ السلام في اليمن يلوح في الأفق، لكن في الوقت ذاته، لا يمكن للمرء القول إنه ليس ثمَّة نهاية في الأفق.

لم تكن تغطية محادثات السلام اليمنية في مدينة رينبو السويدية، التي بدأت الأسبوع الماضي، أمراً سهلاً، فالمناقشات تجري في جلسات مغلقة، وتعمل الصحافة في ظلِّ قيود كثيرة، وتتغيَّر التحديثات حول المحادثات باستمرار، وقد جعل الطقس المُتجمِّد والأيام المُظلِمة مهمة اكتشاف الحقيقة مهمةً صعبة. ولم تجرِ مشاركة جدول الأعمال الكامل، لكنَّ القضايا الإنسانية كانت محور التركيز الرئيسي حتى الآن.


ومع أنَّ صفقة التبادل الكبيرة للسجناء شكَّلَت انفراجةً في المفاوضات، لكن بدون وقف لإطلاق النار، ومع وجود انقسامات عميقة بين الطرفين حول إطار العمل السياسي الذي يمكن للجميع الاتفاق عليه، ما تزال ثمّة عقباتٌ هائلة تواجه إحلال السلام في اليمن.

ومع أنَّ مقترحات الإطار السياسي لم تُناقَش بعد، فإنَّ الأطراف المتحاربة أظهرت هوةً واسعة من الاختلافات حول قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2216 لعام 2015، الذي دعا لنزع سلاح الحوثيين واستعادة الشرعية الرئاسية لعبد ربه منصور هادي.

ومع ذلك، فإنَّ احتمالات السلام واعدة، لكن بشروط: إذا استمر الضغط من المجتمع الدولي، لا سيما الولايات المتحدة، وإذا أبدت الأطراف المتحاربة اهتماماً عميقاً في التوصُّل إلى حلٍّ سياسي.

خارجياً، تأتي محادثات السلام هذه بعد إدانة عالمية لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وإعادة التقييم العالمي للحرب السعودية المدمرة في اليمن، ودعوات جادة من مسؤولين أميركيين بارزين لإنهاء الحرب.

وبعيداً عن جلب الأطراف المتحاربة للالتقاء وجهاً لوجه للمرة الأولى منذ عامين -وهو إنجازٌ في حدِّ ذاته- فإنَّ المبعوث الأممي الخاص لليمن، مارتن غريفيث، قد نجح في التعامل مع أوجه القصور في تجهيز المحادثات السابقة وإدارتها.

أنشأ غريفيث مجموعتين استشاريتين مستقلتين (للشؤون السياسية والمدنية) تتكوَّنان من أبرز السياسيات والسياسيين اليمنيين الذين ساهموا، وسوف تستمر مساهمتهم، في إجراء المحادثات.

تغير النفوذ

بعد أربع سنوات، غيَّرت الحرب في اليمن، بشكلٍ جذري، من القوتين السياسية والعسكرية للأطراف المتحاربة. إذ عزَّزَ قتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح من القوة السياسية والعسكرية للحوثيين، لكن من الممكن لمعركة الحديدة أن تعدل من توازن القوى وتمثِّل ميزةً عسكرية لأحد الأطراف، لما تنته المعركة بعد، ولا تزال جميع الاحتمالات قائمة.

ومع ذلك، فيبدو أنَّ الرغبة في الوصول إلى اتفاق أقوى مما كان عليه الحال في المحادثات السابقة، إذ أدركت الحكومة اليمنية زيادة الضغط الدولي على داعمها، المملكة العربية السعودية.


ويبدو أنَّ الحوثيين أيضاً قد أدركوا أنَّ السعودية بحاجة لحفظ بعضٍ من ماء وجهها في أعقاب العزلة الدبلوماسية العالمية لها بعد مقتل خاشقجي. ويمكنهم استخدام ذلك لمصلحتهم لانتزاع تنازلات، ويعتقد بعض المراقبين أنَّ من بين الأسرَى عشرات السجناء السعوديين الذين تُصمِّم السعودية على استعادتهم.

لكنَّ إحدى المشكلات الرئيسية، ما لم تكن المشكلة الأساسية، تتمثَّل في من لديه سلطة اتخاذ القرار الأخير في المحادثات. ربما يخلص البعض إلى أنَّ هذه العملية مضيعةٌ للوقت بدون محادثات مباشرة بين عبد الملك الحوثي وعبد ربه منصور هادي؛ ذلك أنَّ التقدم بطيء، إذ يتعيَّن على كلِّ وفدٍ إبلاغ قادته، ولا يمكنه المضي قُدُماً إلا بعد فعل ذلك.

وعندما أُثيرت هذه المعضلة أمام أعضاء الوفود، ردوا بفظاظة ورفضوا الإفصاح قائلين: "من المحال عقد محادثات سلام مباشرة بين الرئيس عبد ربه منصور هادي وعبد الملك الحوثي، والأمور أعقد مما تبدو عليه".

إرادة سياسية جمعية

من أجل أن تنجح هذه المحادثات، فثمّة عنصر آخر بحاجة إلى أن يسير بالتوازي مع المفاوضات. فاللاعبون الخارجيون (السعودية والإمارات وإيران والولايات المتحدة والمملكة المتحدة) بحاجةٍ إلى تقديم الدبلوماسية وتشجيع هادي على عقد حملة مصالحة وطنية يمكن بموجبها للأطراف اليمنية المتحاربة وضع خارطة طريق سياسية جديدة.

ينبغي أن تدرك السعودية والإمارات والولايات المتحدة الآن، بعد أربع سنوات من القتال، أنَّ الوسائل العسكرية وحدَها لن تُنهي هذا الصراع، وينبغي أن تتفق السعودية والإمارات، على وجه الخصوص، في الطريقة التي يرون فيها يمن ما بعد الحرب.

إنّ حقيقة دعمِ الإمارات لحركة انفصالية في الجنوب وتنفيذِها عمليات قتل غير قانونية لزعماء سياسيين يمنيين، يقوِّض السلم والاستقرار في اليمن.

حتى الآن، فإنَّ هذه المحادثات ليست مُعرَّضةً لخطر الانهيار، ومن الأهمية بمكان أن تنتهي باتفاق حول فتح مطار صنعاء وتثبيت وقف إطلاق النار للتخفيف من الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

ويُعدّ توقيت محادثات السلام أمراً بالغ الأهمية؛ إذ إنَّ التركيز الدولي على اليمن غير مسبوق، وتأتي هذه المحادثات في لحظة حاسمة سياسياً وعسكرياً، وينبغي الاستفادة منها قبل اختفاء الفرصة وغياب اليمن عن الاهتمام العام مرة أخرى.

محادثات السلام هذه خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها سوف تكون طريقها طويلة وصعبة.

______________________________________________________
بقلم: أفراح ناصر. نُشر المقال بالأول بالإنجليزية على موقع TRT بتاريخ ١٢ ديسمبر ٢٠١٨. 

21.9.18

الصحافة في اليمن تعاني بشكل كبير

أفراح ناصر، صحفية يمنية مشاركة في برنامج داغ همرشولد للزمالة الصحفية في نيويورك، برفقة عدد من الصحفيين الآخرين المشاركين في البرنامج خلال حفل استقبالهم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. تعمل أفراح مراسلة صحفية ومدونة مهتمة بموضوع انتهاكات حقوق الإنسان، وقضايا المرأة وحرية الصحافة.


قالت أفراح ناصر وهي صحفية يمنية مشاركة في برنامج داغ همرشولد للزمالة الصحفية في نيويورك إن الصحافة في اليمن تعاني بشكل كبير. وتعمل أفراح مراسلة صحفية ومدونة مهتمة بموضوع انتهاكات حقوق الإنسان، وقضايا المرأة وحرية الصحافة.

وقد حصلت الصحفية اليمنية، المقيمة في السويد، على العديد من الجوائز، بما في ذلك جائزة لجنة حرية الصحافة الدولية عام 2017. وتحمل أفراح ناصر درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة صنعاء في اليمن وشهادة الماجستير في الاتصال من جامعة غوتنبرغ، السويد.

أخبار الأمم المتحدة التقت أفراح التي جاءت إلى نيويورك لتغطية المداولات رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، ضمن زمالة داغ همرشولد، بصحبة ثلاثة صحفيين آخرين من الهند والأرجنتين وكينيا، حيث تحدثت عن المصاعب اليومية التي تواجه الصحافة المستقلة في اليمن:

"الصحافة المستقلة التي يمكن أن تجري تغطية متوازنة للوضع في اليمن تقريبا مختفية. الصحفيون اليوم مشردون أو مقموعون أو في السجون، وقد ترك بعضهم العمل للبحث عن فرص أخرى يستطيع بها توفير سبل العيش... أغلب الصحفيين الذين يغطون أخبار اليمن هم خارج اليمن."

وأعربت أفراح عن سعادتها باعتبارها أول صحفية تشارك في برنامج داغ همرشولد للزمالة الصحفية:

"بالنسبة لي، ومنذ أكثر من عشر سنوات مثلت لي الصحافة جواز سفر. أحس أنني خلقت لأكتب. لأنني من صنعاء ولأنني بنت كانت هناك توقعات من المجتمع حول ما يمكن أن أنجزه. ولكنني اليوم أنا فخورة أنني خالفت التوقعات وحدودي كانت أكبر. أتذكر ما قاله له أستاذي في الجامعة بأنني سأموت فقيرة بدون أن أجد من يقرأ لي. لأنه كان يرى أن المحيط الذي كنت فيه لن يساعدني على تحقيق أحلامي في أن أصبح كاتبة ناجحة. أريد أن أرسل له هذه الرسالة وأقول له أنني وصلت مرتبة أنا سعيدة بها." 

ويوفر البرنامج فرصة للصحفيين الواعدين من البلدان النامية لمراقبة مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة والإبلاغ عن إجراءات وسائل الإعلام في بلدانهم الأصلية، فضلا عن الالتقاء مع الخبراء الدوليين والدبلوماسيين، والتفاعل مع الصحفيين المخضرمين، وإجراء اتصالات مهنية تخدمهم لسنوات قادمة. حيث حقق العديد من المشاركين السابقين في البرنامج نجاحا وإشادة محليا ودوليا.

ويسعى البرنامج إلى تعزيز التفهم الكامل لمداولات الأمم المتحدة لتخفيف المعاناة الإنسانية وتعزيز السلام، لدعم وتشجيع مهنة الصحافة، ولإلهام مجتمع قوي ومتنوع من الصحفيين الذين سيتحدثون بقوة عن التحديات التي تواجه بلدانهم.

وأُنشئ برنامج داغ همرشولد لدعم الصحفيين، وهو منظمة غير ربحية، منذ أكثر من خمسين عاما من قبل الصحفيين في الأمم المتحدة تخليدا لإرث السلام والتقدم والعدالة في داغ همرشولد، الأمين العام الثاني للأمم المتحدة الذي قتل في حادث تحطم طائرة بينما كان في مهمة سلام إلى الكونغو في عام 1961.

_________________________________________________________

20.9.18

عن عادل وعن المجاعة المُحدقة باليمن



*عندما ذكرت لي أمّي في صنعاء في اتصال بيننا قبل سنة أنها تعمل على جمع تبرّعات من ملابس وأغطية للنازحين في صنعاء، سألتني إذا ما كنتُ على دراية بمبادرات إنسانية محلية تستطيع أن تتواصل معها حتى تنسّق التبرّعات وتوزّعها على المحتاجين. أخبرتها عن عدد من المبادرات، ثم كان لها التواصل مع عادل هاشم، الشاب الدؤوب ذي ال٢٦ سنة الذي يدير منظمة Human Needs Development (احتياجات إنسانية للتنمية) التي تهدف إلى مساعدة الفئات الأكثر تضرّراً في اليمن وتزويدها بالحاجات الأساسية، كالطعام والشراب والتعليم والصحّة.

منذ مدّة طويلة وأنا أراقب عادل على “تويتر” وهو يغرّد عن الحالات الإنسانية التي يراها وعن عمله التطوّعي. سُعدت جداً عندما تم التعاون بينه وبين والدتي بنجاح حيث استطاعا مساعدة عشرات الأسر اليمنية الفقيرة. على رغم الموارد المحدودة يعمل عادل كمتطوّع مع فريق من شبكة من المتطوّعين في مدن يمنية كثيرة، على جمع التبرّعات النقدية والعينية من المتبرّعين المحليّين وفاعلي الخير ومن ثم يقومون باستهداف الأسر الفقيرة في صنعاء ومدن أخرى. منذ عام 2016 عمل فريق “هيومن نيدز” على مساعدة 20 ألف شخص تقريباً، وإمدادهم بالخدمات الإنسانية (الماء أو الطعام أو التعليم أو الصحة).

خلف عناوين الأخبار وإحصاءات المجاعة المُحدقة باليمن عادل وفريقه نموذج واحد من بين سيل من الجهود المحلية التي تحاول تدارك الأزمة. يُقدّر عدد المنظمات الأهلية العاملة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية في اليمن بـ11 ألف منظمة




بدأ عادل العمل التطوّعي الإنساني منذ أيام الدراسة في الجامعة (2013 – 2016)، من خلال المشاركة في حملات إنسانية، وفي تلك الفترة يقول عادل “أدركت حجم معاناة اليمنيين وما مدى الحاجة الكبيرة والعاجلة بين هؤلاء الأسر، ليس فقط في صنعاء وإنما في أرجاء اليمن كافة”.

لعقود طويلة كان اليمن أفقر دولة عربية، فأتت الحرب اليوم لتدمّر هذا البلد الهشّ. يعتمد اليمن اليوم تقريباً على التبرّعات الدولية، فقد عُقد أكثر من مؤتمر دولي في مكتب الأمم المتحدة في جنيف لجمع الأموال من أجل اليمن. آخر مؤتمر عُقد في نيسان/ أبريل نجح في الحصول على تمويل إنساني بقيمة تزيد على ملياري دولار، الأمر الذي يُعتبر خطوة مهمّة في حركة التضامن الدولي مع شعب اليمن.

يتلقّى فريق عادل تمويلاً متواضعاً من ثلاث جهات: من قبل منظمات غير ربحية في ألمانيا وإيطاليا وأميركا وإنجلترا، ومن قبل تبرّعات عبر منصّة تبرّعات على الإنترنت، ومن داعمين محليين. يخبرني عادل، “يُعتبر التمويل من الداعمين المحليين الأقل في نسبة إجمالي الدعم الذي تحصل عليه منظمتنا، وذلك لأن الوضع الاقتصادي بالمجمل مأسوي في البلاد فقد أغلقت شركات محلية وأفلست أخرى بسبب الحرب”.

يعتمد عادل بشكل كبير على الإنترنت للتواصل مع المتبرّعين الأفراد، وهنا السؤال: ماذا كان سيحدث لهذه المبادرة لولا التواصل مع العالم الخارجي عبر الإنترنت في ظل الحصار المفروض على اليمن؟ ما هو دور وسائل التواصل الاجتماعي هنا؟ والسؤال الأهم عن دور الجاليات اليمنية الكبيرة في إنجلترا وأميركا في إرسال هذه التبرّعات لليمن وإنقاذ آلاف الأرواح على مرّ الصراعات التي عصفت وما زالت تعصف باليمن؟ ربما هذه الأسئلة اقتراحات لدراسات مستقبلية للباحثين والباحثات في قضايا اليمن.

على رغم التغطية الإعلامية لليمن الموجودة اليوم، يرى عادل أن “الإعلام مقصّر بشكل كبير في نقل معاناة اليمنيين إلى العالم وليس كما حال الأزمة في سوريا.” يتمنى عادل أن يحصل اليمن على تغطية إعلامية أكبر، لأنه يشهد أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم.

الحالات الإنسانية التي يتعامل معها عادل تتراوح بين أسر من دون معيل ليس لها أي مصدر دخل، وهي على شفير المجاعة، وأسر نازحة من دون مأوى ولا طعام ولا ثياب، وأطفال يتامى من ذوي الاحتياجات الخاصة.

يخبر عادل قصة الطفل “علي” وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة منذ ولادته، يعيش مع أسرته المكوّنة من 8 أفراد في بيت قديم جداً في صنعاء ينعدم فيه حتى الأثاث. قتل والده أثناء مشاركته في القتال في صفوف الحوثيين. علي الآن يتسوّل في شوارع صنعاء من أجل لقمة عيش لأسرته. أما أمّه التي تعتني بأطفالها الخمسة بعد أن توفي رب الأسرة منذ ثلاث سنوات، فتعمل حالياً بجمع العلب البلاستيكية لبيعها لتغطية تكاليف الدقيق لأسرتها وتبقي القليل من هذه العلب البلاستيكية تحرقها، لتطبخ لأولادها.

لكن يقول عادل إن قصة الطفل محمد هي من قصص النجاح التي يستمد منها عادل وفريقه الأمل. فذات مرّة أثناء جولة استطلاعية لفريق عادل في المستشفيات الحكومية في صنعاء للأطفال الذين يحتاجون إلى مساعدات مالية لتغطية تكاليف علاجهم، وجدوا طفلاً يتيماً يدعى محمداً. أصيب محمد بصعقة كهربائية في يده اليمنى في محافظة مأرب ومن ثم تم إسعافه إلى المستشفى الجمهوري التعليمي بصنعاء ذي الرسوم المنخفضة والعناية الصحية الرديئة.

وصل محمد المستشفى مبتور اليد بسبب الصعقة الكهربائية وكانت ملامح الحزن تبدو عليه. رافق محمد عمّه في رحلته من مأرب إلى صنعاء، وأخبر العم عادل عن الحالة الإنسانية الصعبة التي تعيشها أسرته بخاصة بعد وفاة والده بحادث مروري قبل خمس سنوات. وحكى العم كيف لم تستطع أسرة محمد تغطيه تكاليف علاجه، بل لم يكن بمقدورها دفع تكاليف مدرسة محمد وأخته (عزيزة).


يواصل عادل القصة ويقول، “بعد ذلك قامت منظمتنا بسداد كافة تكاليف علاج محمد، وتكاليف عودته إلى قريته في مأرب، وكل تكاليف مدرسة محمد وأخته في مأرب… الجميل في القصة هو أن محمد بدأ عامه الدراسي (2017-2018) ولم تمنعه حالته الخاصة عن الحصول على المركز الأول بين زملائه في المدرسة. كان محمد يبدو سعيداً جداً في جميع الصور التي كان متطوّعونا في مدينة مأرب يرسلونها بشكل دوري”.


_________________________________________________________
*كتابة : أفراح ناصر
نُشر هذا المقال أولاً على موقع درج، ١٣ سبتمبر ٢٠١٨. 

24.8.18

مزيج من النسوية



*أنا نسوية من اليمن وإثيوبيا والسويد، وفكري النسوي مزيجٌ من النسوية العربية والأفريقية والأوروبية. هل يمكن أن أُعرّف نفسي بكل ذلك دون نعتي بـ"كارهة للرجال" أو "عبدة - سوداء" أو "مستغرِبة"؟ أتساءل لأني أعرف بعض التعليقات السلبية التي ستصلني، فقد وصلتني من قبل. 

الحديث عن النسوية في كل تلك المجتمعات يثير ردود فعل سلبية؛ نعم، حتى في السويد. لكن بالتأكيد تأتي ردود الأفعال السلبية تلك بشكل أكبر من المجتمع العربي - وبالتحديد اليمني - الأمر الذي يجعلني في مرات كثيرة أتردد قبل أن أكتب عن أفكاري النسوية، فالأمر يعتمد على مستوى الطاقة لدي لمواجهة أعداء النسوية، وما أكثرهم. في الوقت نفسه، هناك فئة كبيرة لم تسمع بعد بكلمة "نسوية" من الأساس، أو أنهم سمعوا عنها وأساءوا فهمها، كالاعتقاد بأن النسويات "كارهات للرجال". 

هناك أكثر من نسوية واحدة بداخلي؛ فبفضل تعدد جذوري وأماكن إقامتي، أتمتع بـ"مزيج من النسوية" يجمع ثلاث هويات وثقافات، وما يحيطها من سياقات حضارية وسياسية واقتصادية لكل بلد. 

تقول الكاتبة النسوية الأمريكية بيل هوكس، في كتابها "النسوية للجميع" أن النسوية هي نظرية تخص الجميع، من رجال ونساء، معاً، في كل أرجاء العالم. بل أهم من ذلك، تؤكد هوكس على أن الفكر النسوي لايواجه فقط النظام الذكوري العالمي وإنما يتقاطع أيضًا مع النضالات الأخرى كحركة مناهضة العنصرية والنخبوية والإمبريالية والرأسمالية، فالسياسات النسوية تأخذ بعين الاعتبار قضايا العرق والرأسمالية والجنس، للقضاء على الاضطهاد المتصل بالنوع الاجتماعي.

كان من المهم لي أن أتعرف على أفكار هوكس حتى أدرك أن النسوية ليست حصرًا على الغرب أو العرق الأبيض أو النظريات الأكاديمية، وبذلك بدأت أوسع مفاهيم الفكر النسوي في ثقافتي اليمنية والإثيوبية والسويدية، بطبيعة الحال.

* * *

بحكم قرابة موقع البلدين، وجد أجدادي الرجال اليمنيين أديس أبابا في إثيوبيا مقصدهم بعد أن هربوا من جحيم المجاعة والصراعات في اليمن في فترة الأربعينيات والخمسينيات. تزوجوا بجداتي الإثيوبيات وكونوا عائلات وأطفال. مع منتصف السبعينيات دخلت إثيوبيا في دوامة حرب أهلية ومجاعة وعنف ونزوح، والتي ستفتك بأرواح حوالي مليون ونصف إثيوبي وإثيوبية على مر قرابة عشرين سنة تالية. مع بداية الحرب قرر أجدادي العودة إلى الوطن الأم (اليمن) مع أطفالهم. ولدت وأنا أشعر بأني "يمنية من أديس أبابا". نشأت في اليمن لكني كنت أتردد على إثيوبيا كل سنة خلال فترة الصيف.

كانت جدتي الإثيوبية من جهة الأم مَثلي الأعلى. رغم كونها أمية، كانت تتمتع بشخصية قوية، كما كانت مستقلة اقتصاديًا حيث أدارت عملها الخاص بنفسها. ربّت جدتي أمي على أن تكون متعلمة وقوية الشخصية ومستقلة اقتصاديًا أيضًا، ومن ثم ربتني أمي على ذلك هي الأخرى.

مرت الأعوام وكانت صدفة أن أتخذ من السويد بلدًا ثالثًا بعد أن اضطررت للبقاء فيها لأسباب سياسية. ومع الوقت تعرفت على العديد من النسويات والنسويين، لكني لم أنسى أبدًا جدتي، فهي أول نسوية عرفتها في حياتي.

لم أعرف النسوية من الإنترنت أو من كتاب معين وإنما من جدتي الإثيوبية. فلا جدتي ولا أنا سمعنا عن كلمة "feminism" وقتها. كانت جدتي تُكرر دائمًا أن لا فرق بين الرجل والمرأة إلا بالعمل والاجتهاد. ومن ثم تعلمت النسوية من أمي التي واجهت عنف والدي وعدم مبالاة النظام القضائي في اليمن على مر خمس سنوات لتلبية طلبها للحصول على الطلاق. لكنها أصرّت، وبعد خمس سنوات أخيرًا كان لها ما أرادت. كانت أمي تكرر أنه "كما من حق الرجل أن يطلّق، فلا بد من أن يكون من حق المرأة أن تطلق، لا بد من عدم التفرقة في الحقوق بين الجنسين". وأنا، أخذت كل تلك القيم معي إلى السويد وطبقتها، بل ووسعتها.


وجدت المجتمع السويدي يضغط عليّ بطريقة دبلوماسية حتى أكون نسوية، فكانت ردة فعلي الاستغراب؛ فأنا نسوية عن بكرة أمها وجدتها. أليس ذلك واضحًا بما فيه الكفاية؟ وجدت أن هناك فروقات بين سُبل النسوية التي عرفتها وذلك بسبب العوامل المختلفة التي شكلت كل واحدة منها.

وفي حين تتشارك إثيوبيا واليمن في تاريخهما المليء بالحروب والفقر وتأثيرات ذلك على مؤسسات الدولة، لم تشهد السويد أي حرب منذ أكثر من 200 سنة غير أن لها ماضٍ استعماري في أمريكا وأفريقيا. الحروب وعواقب ذلك العنف كان لها دور كبير في تردي وضع الإنسان بشكل عام في المجتمعين الإثيوبي واليمني، أما السويد فلها تاريخ طويل مع الرخاء الاقتصادي الأمر الذي أثر بشدة على تطور الحركات الحقوقية فيها كالحركة النسوية والحركة العمالية، وغيرها.

في السويد أجد نفسي في مواقف كثيرة أدافع فيها عن النسوية العربية. عادةً لا أشدد فقط على اختلاف الأولويات في النضال النسوي بين العالم العربي والأوروبي، وإنما أُذكّر دائمًا أيضًا في نقاشاتي بدور الأنظمة الاستعمارية والعنصرية في اختلاف تلك الأولويات.

فإذا ما سألتني صديقتي النسوية السويدية عن موقف النساء العربيات تجاه مسألة الجنس قبل الزواج أو إطالة شعر الإبط أو..، أقاطعها فورًا، أنا لا أمثل كل الأصوات النسوية في المنطقة العربية ولكن من وجهة نظري أعتقد أن هذه ليست معركتي الأساسية اليوم في العالم العربي وإناثُنا بعمر الزهور ما زلن يعانين من جرائم الختان والزواج المبكر والحرمان من التعليم والنزوح بسبب الحروب ووقعوهن سبايا في أيدي داعش وغيرها، بالإضافة إلى عدم قدرة النساء على منح جنسيتهن لأطفالهن، والقائمة تطول.

هذا لا يعني أن النساء في السويد استوفين حقوقهن تمامًا. فقضية الاغتصاب مثلًا كانت لفترة طويلة في قلب الحراك النسوي لأن القانون السويدي لم يكن يجرم الجنس دون رضى، ولم يعتبره اغتصابًا إلا من فترة بسيطة. ثم أن النساء اليوم في السويد ما زلن يتقاضين أجرًا أقل من الرجال على أداء نفس الوظيفة، وهو ما يحصل معي ومع صديقاتي أيضًا.

الأهم من ذلك، كنسوية سويدية، أحاول أن أفهم دور السياسات الخارجية لدولة السويد في الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط، وكيف هي مسؤولة عن الدمار الذي يلحق بالنساء ومجتمعاتهن. فمثلاً، من واجبي كنسوية أن استنكر صفقات الأسلحة السويدية المتعلقة بالحرب في اليمن. بل وأن أنتقد وزارة الخارجية السويدية وادعائها بأنها تمارس سياسات خارجية نسوية.

مزيج النسوية الذي بداخلي يتيح لي أن أرى قضايا النساء من منظور أشمل، ومن خلاله أتمكن من فهم كيف تتقاطع القارات الثلاث التي تجمعني في أمور كثيرة، وكيف أنه من واجبي أن أدافع عن قضايا النساء في كل تلك الأماكن. ولعل تجارب اللجوء والنزوح من مكان لآخر، ابتداءً بتجارب أجدادي ووصولًا إلى تجربتي الخاصة فتحت لي آفاقًا جديدة في التفكير بواقع النساء في كل مكان.

_______________________________________________
*كتابة: أفراح ناصر
نُشر هذا المقال أولاً على موقع جيم. 

31.7.18

نساء اليمن: صناعة الفن في زمن الحرب



*قد يبدو الحديث عن الحراك الفني اليمني، ناهيك الحديث عن الحراك النسائي بالتحديد، في مرحلة تشهد فيها اليمن أكبر كارثة إنسانية أمر ليس في أوانه. فقد مرت أكثر من أربعة أعوام على بداية حرب اليمن، والمأساة الإنسانية تهدد حياة أكثر من 22 مليون شخص، سواءً من رجال أو نساء أو أطفال. هناك شحّ في التغطية الإعلامية لما يجري في اليمن، ومتى ما كانت هناك تغطية إعلامية فنجد ان القصص الإنسانية عن المجاعة والأمراض تعطى الأولوية. إذاً، في زمن المجاعة والكوليرا والدمار وتشظّي المجتمع اليمني، ماذا يعني لو تحدثنا عن الحراك الفني اليمني النسائي؟

فكيف لا و المبدعات اليمنيات من مخرجات، ورسامات وكاتبات وأخريات أخذن على عاتقهن التعبير عن ألم مجتمعهن والدفاع عن قضية الإنسان بشكل مستقل عن سيطرة السلطات.

والحق يقال، بعكس ما هو معروف في العالم أن النساء في عالم الفن يعملن في مجال يغلب عليه الرجال وتهميش انتاجهن بالمقارنة مع الاهتمام الكبير للإنتاج الفني للذكور، ولكن في اليمن الوضع مختلف تماماً. من تجربتي في التغطية الإعلامية لليمن منذ عشرة أعوام، أرى أن النساء والرجال بشكل متساوي يشكلون الحراك الفني اليمني، والكل مهمش ولا يحظى بإهتمام اعلامي ولم يتم توثيق أعمالهم/ن ومواهبهم/ن بشكل جيد وكافي. ومع ذلك، أخصص هذا المقال للحديث عن النساء المبدعات اليمنيات.


سارة إسحاق في هذا السياق من أهم المبدعات اليمنيات في جيل الشباب اليوم الذي وجد صوته مع بداية ثورة اليمن في 2011. سجلت المخرجة الشابة اليمنية من جهة الأب وإسكوتلاندية من جهة الأم، إنجاز تاريخي بإنجازها أول فيلم يمني (بالتعاون مع فريق يمني) "ليس للكرامة جدران" (2012) الذي رُشح لجائزة الأوسكار ضمن فئة الأفلام الوثائقية القصيرة. يحكي الفيلم عن مجريات أحداث يوم دامي في بداية الثورة، الذي يعتبر نقطة تحول في مسار الثورة اليمنية.


سارة إسحاق


منذ أن رجعت سارة لليمن في 2011 بعد غياب لمدة عشرة أعوام في سكوتلاندا، وهي توثق تفاصيل حياتية بين الواقع السياسي والإجتماعي في اليمن، فهي تأرجحت بمهارة بين الأفلام الوثائقية التي عبرت فيها عن تجربة المواطن أو المواطنة اليمنية كنتيجة للتطورات السياسية، والأفلام الوثائقية التي تحكي من خلالها تجربتها الخاصة. فمثلاً، الفيلمان القصيران لسارة عن سيدة متظاهرة في ساحة التغيير في صنعاء 2012 أو فيلم "عالقون" عن اليمنيين العالقين في مصر في 2015 يؤكدان على أهمية كاميرا سارة في توثيق لحظات حرجة في ذاكرة المواطن اليمني. أما فيلمها الوثائقي "بيت التوت" الحائز أيضاً على عدة جوائز عالمية وعربية يلخص طبيعة حياة الأسرة اليمنية من خلال سرد السيرة الذاتية والعائلية لسارة إسحاق نفسها.







عندما أجريت لقاء مع سارة إسحاق في 2013 بعد ترشحها للأوسكار، سألتها عن طموحاتها الفنية فأخبرتني كيف أنها مستاءة من عدم وجود أي مكان في اليمن لتعليم صناعة الأفلام ولهذا تطمح في إنشاء مدرسة أو مركز لتعليم صناعة الأفلام في اليمن، ويبدو أن الحلم صار حقيقة.

في مكالمة خاصة مع سارة إسحاق من صنعاء، تخبرني بحماس عن تحضيراتها لورشة العمل الثانية بدعم الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، بعد نجاح ورشة العمل الأولى لصناعة الأفلام لمجموعة من الشباب والشابات في صنعاء. فبعد أن أخذت قسطاً من الراحة لفترة وجيزة بعد ولادة مولودها الأول، تحاول سارة اليوم أن توفق بين مشاريعها العديدة. فإلى جانب إقامة ورشة العمل مع فريق مكتبها قمرة لإنتاج الأفلام، تعمل وراء الكواليس في إنتاج أفلام قصيرة بالتعاون مع وسائل اعلام دولية واقليمية، والاهم من ذلك تعمل الآن على تحضير فيلمها الروائي الطويل الأول وفيلم وثائقي عن النساء والحرب.






سارة اسحاق تقول لي سواءً في الحرب او في السلم لصناعة الافلام دور حيوي لدى الشباب اليمني، فهو اداة تمكين للشباب ومصدر إثراء للنقاش والرأي العام. تقول سارة، "عموماً، صناعة الفنون في زمن الحرب هو بمثابة علاج نفسي، وهنا صناعة الأفلام هي كذلك، سواءً لصانعي الأفلام أو الجمهور - فالأفلام تساعدنا على أن نعبر عن أنفسنا وعلى أن نثري وجهات نظرنا للأمور بعيداً عن الأطر المعلبة."

وبالفعل هذا ايضاً ماحصل مع الرسامة اليمنية الشابة هيّا الحمومي. فعن عمر ال 23 تخبرني هيا في مكالمة خاصة من صنعاء أن الرسم بالنسبة لها وسيلة للتأقلم مع الواقع والضغوطات التي فرضت عليها. تقول هيّا، "أنا أرسم لأنها الوسيلة التي أبرع فيها للتعبير عن نفسي وعن محيطي. البعض يستطيع أن يكتب مقال أو كتاب أو يصنع فيلم ويعبر عن نفسه، لكني أجد الرسم أقرب وسيلة تعبير لي."





بدأت هيّا في عرض رسوماتها للعامة منذ 2014 وهي الفترة التي دخلت فيها اليمن مرحلة الحرب الأهلية، بإجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء وإجتياح مؤسسة الدولة. منذ ذلك الوقت وهيا ترسم لتعبر عن مشاعرها. فمثلاً، رسمتها "الضحية" أو "صرخة غضب" رسمتها هيّا في فترات أرادت فيها أن تصور حالة مجتمعها حيث هو ضحية حرب شعواء يريد أن يصرخ غضباً في وجهها. أما رسمتها عن العنف اللفظي ضد المرأة، ضمن مشروع للمؤسسة تنمية القيادات الشابة في اليمن، لخصت من خلاله هيًا معاناة النساء في اليمن من العنف اللفظي.






شاركت هيّا حتى اليوم في 16 معرضا فنيا في صنعاء وواحد في الكويت وتثني على اهتمام الجمهور في صنعاء ، فهم في أعداد متزايدة مع افتتاح المعارض على مر الأعوام الماضية ولكن تتمنى أن يكون هناك دعم أكبر للطاقات الشابة.





مثال، المغنية اليمنية و عازفة الجيتار الهنا من من لقوا دعم كبير. سطع نجم مثال بعد تعاونها مع فرقة (x ambassadors) العام الماضي في إصدار اغنية مشتركة بإسم (cycles) ضمن حملة تضامن بإسم (i am with the banned) مع البلدان المحظورة من دخول أمريكا بعد القرار التنفيذي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. منذ ثورة اليمن 2011 ومثال تألف وتغني وتنشر أغانيها الخاصة باللغة الإنجليزية.





نجاح مثال لم يكن الوصول إليه بالهين. في حوار لي مع مثال فور اصدار اغنية Cycles اخبرتني كيف أنها واجهت استهجان ومضايقات عديدة في اليمن عندما بدأت الغناء في 2011، وتقول: "كانت تصلني رسائل كره ومضايقات من الناس، بسبب غنائي في أماكن عامة و مختلطة. زادت المضايقات فتوقفت عن الغناء في 2014 واختفيت تماماً عن الحياة الإجتماعية. ومع بداية الحرب في مارس 2015 اخذت جيتاري وسافرت بقوارب اللاجئين الى جيبوتي. هناك عزفت لفترة في الفنادق حتى يكون لي مصدر رزق، وخلال تلك الفترة عملت على نشر أعمالي على الإنترنت فوصلتني دعوات للمشاركة في فعاليات عن اليمن في ألمانيا وكندا. وبعدها استقريت في كندا."

ومن مقرها الجديد في براغ منذ بداية حرب اليمن، ريم مجاهد تنقلك بكلماتها إلى اليمن. الباحثة الإجتماعية والكاتبة ريم مجاهد تعبر عن حنينها الى اليمن في قصص تدهش بواقعيتها وتعبيرها عن معاني مشتركة لدى كل يمني ويمنية. عندما التقيت بريم في براغ بداية هذا العام اعترفت لي انها تحاول من خلال هذه القصص أن تتواصل مرة أخرى مع ريم الصغيرة التي نشأت في احدى القرى في تعز - ريم، بنت القرية.

في رحاب صفحات جريدة السفير، نشرت ريم حتى الان ست قصص متتالية بالعناوين التالية: "بلوزة" و"زفاف"، "فرار" و"سرقة" و"نزوح" و"طريق". لم يمر وقت طويل حتى أدرك فريق جريدة السفير موهبة ريم مجاهد فعرضوا مؤخراً قصص ريم في صفحة واحدة وقالوا، "ادهشتنا الصبية ريم مجاهد. كل قصة لها لوحة عن زاوية من المشهد اليمني اليوم... أو سيناريو لفيلم يمتلك كل الكثافة اللازمة. ادهشتنا ريم مجاهد، وأيقنّا أننا إنما "نكتشف" قاصّة خطيرة."

هذه أربعة أمثلة من قائمة طويلة بأسماء مبدعات يمنيات يواجهن الحرب والنزوح، مسلحات بالخيال والشغف لصناعة الأفلام، الرسم، الغناء والقصة. لم يكتب الكثير بعد عن اليمن والحرب، ونحن بحاجة دائمة لتوثيق أعمال الفنانات والفنانين.


_____________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر
نُشر المقال أولاً على موقع جيم - يونيو ٢٠١٨ 

ماذا حدث للإعلام الموالي لعلي عبدالله صالح بعد موته؟




مساء السبت الثاني من شهر كانون الأول/ديسمبر 2017، أي قبل يومين فقط من مقتله، ظهر الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في لقاء على قناة “اليمن اليوم” التي يمولها، وهي موالية له ولحزبه السياسي “المؤتمر الشعبي العام”. أعلن في اللقاء انشقاق تحالفه مع الحوثيين ورغبته في بدء صفحة جديدة مع المملكة العربية السعودية. لم تكن تلك لحظة سياسية بارزة وحسب، بل كانت أيضاً لحظة إعلامية مهمة، إذ تضمنت إعلاناً ضمنياً للانشقاق الإعلامي بين الطرفين.

ظهر صالح في اللقاء وألقى الخبر بنفسه، فكان هو الخبر وناقله (أي المراسل) في الوقت ذاته، حتى لا يترك أي مجال للشك في الخبر وسط هشاشة صدقية الإعلام اليمني عموماً. كانت لحظة مشابهة لليوم الذي قام صالح نفسه بدور المراسل مع بداية الحرب في أيار/مايو 2015 عندما نقل بنفسه خبر قصف بيته، وهو يحمل الميكروفون أمام الكاميرا، من أمام بيته المهدّم في صنعاء بعد قصف التحالف العربي بقيادة السعودية. 

دور الإعلامي الذي تقمّصه صالح يعكس مدى غياب الوسائل الإعلامية ذات الصدقية والقبول والثقة عند الجمهور، ويدل على مدى تسيّس الإعلام في اليمن. فمنذ بداية التحالف السياسي والعسكري بين صالح والحوثيين في نهاية 2014، عمل هذا التحالف على إدماج شكل التغطية الإعلامية لأخبار الحرب، وعمل الحوثي بشكل رئيسي على السيطرة على كل الوسائل الإعلامية الأخرى في شمال اليمن، وسحق كل إعلام معارض. وبذلك لم يتبقَّ في الشمال سوى إعلام يسيطر عليه الحوثي وصالح. لكن فور مقتل الأخير على يد الحوثيين انقلب هؤلاء على وسائل الإعلام الموالية والممولة من قبل صالح وأصبح اعلام صالح آخر ضحايا الانتهاكات الجسيمة ضد حرية الصحافة في اليمن.

بدأت اللعبة الخطرة في التحالف الإعلامي بين صالح والحوثي مع اجتياح الحوثي صنعاء في منتصف 2014، عندما قامت قوات خاصة بالرئيس عبدربه منصور هادي بالاعتداء على قناة صالح وذلك لهدف غير معلن وقتها، وهو إخماد ذاك التحالف الإعلامي بين صالح والحوثي الذي شكل تهديداً لسلطة هادي، الذي لم يكن له أي وسيلة إعلامية خاصة آنذاك. يبدو أن أكثر ما أزعج هادي هو التغطية الإعلامية المستمرة من قبل تلفزيون صالح للتظاهرات التي قادتها جماعة الحوثي، وإتاحتها الوقت والمساحة لظهور خطابات قائد الحوثيين عبدالملك الحوثي.



وتوضح بعدها شكل الحرب على الإعلام في اليمن ومن عدو من ومن حليف من. أتت الشهور التالية وتبلورت أكثر التحالفات بين صالح والحوثي، وهادي والتحالف العربي بقيادة السعودية، وتوطد العداء بين الجبهتين. ظهر تيار إعلامي ممنهج للحوثيين، سمي من بداية الحرب الإعلام الحربي، الذي يغلب عليه نشر أخبار صفوف القتال لدى الحوثيين وتقارير صادرة عن التحالف بين صالح والحوثي. وفي هذه الأثناء، كان إعلام صالح يعمل على نشر أخباره وحزبه وتحالفه مع الحوثيين. انعكس كل ذلك على المتلقي في شمال اليمن إذ إن الخبر كان يصله مسيساً ومن وجهة نظر التحالف بين صالح والحوثي.

كان الإعلام في بداية التحالف بين صالح والحوثيين يمجد دور التحالف وليس دور كل طرف في معطيات المرحلة. كان دور كل من إعلام صالح وإعلام الحوثي هو التغطية الإعلامية لجرائم الحرب من قبل غارات السعودية ونشر الأخبار عن دور قواتهم في القتال. بعد تشكيل المجلس السياسي الأعلى في تموز/يوليو 2016 بين الطرفين وإبراز التحالف بين صالح والحوثي بشكل أكبر، أصبحت العلاقة الإعلامية وطيدة بين إعلام صالح والحوثي، لمدة عام ونصف العام.



ظهور صالح في اللقاء قبيل مقتله لم يكن نقطة انطلاق الانشقاق الإعلامي بين الطرفين. مرّ التحالف بين صالح والحوثي في الأشهر الستة الأخيرة قبل مقتل صالح بفتور ثم بمدّ وجزر، حتى أدى كل ذلك إلى النهاية. فخلال هذه الفترة من عمر التحالف، قام الحوثي بعدد من المضايقات ضد قوات صالح وأظهر جشعاً وأطماعاً أكبر مما كان اتفق عليه مع صالح. فمثلاً أراد الحوثيون السيطرة على نقاط عسكرية أكثر في نطاق سيطرة قوات صالح، وبعدها أرادوا ايضاً أن يسيطروا على مسجد صالح الضخم في وسط صنعاء، فأقدموا على قتل بعض من الأفراد المقربين للرئيس السابق خلال الصدامات التي كانت تحدث بين فريق صالح والحوثي. ولا بد من الإشارة إلى أن علي عبدالله صالح أبدى صبراً تجاه تلك المضايقات وحاول ألا يصعد الموقف فآثر السكوت في مواقف مستفزة كثيرة. الأمر الذي انعكس على طبيعة التغطية الإعلامية للإعلام الموالي له.

كانت الأمور السياسية والعسكرية بين الطرفين تذهب في طريق وعر، فأثّر كل ذلك في التحالف الإعلامي. وحان الوقت للانفصال الإعلامي متى ما قرر صالح أن التحالف العسكري والسياسي بين الطرفين انتهى. بطبيعة الحال، من المستحيل استمرار أي تحالف إعلامي مع انتهاء التحالف العسكري والسياسي. كان صالح يعرف جيداً أن الإعلام هو جزء لا يتجزأ من عتاده وأسلحته في الحرب ضد أي عدو، وهنا نقصد الحوثيين. 

لكن ماذا حدث بالضبط للإعلام الممول والموالي لصالح بعد مقتله؟ بالتزامن مع المواجهات المسلحة بين الطرفين قُبيل مقتل صالح بيوم، اقتحم عناصر من جماعة الحوثي مبنى قناة وصحيفة “اليمن الْيَوْمَ” واعتقلوا عشرات العاملين فيها واحتجزوهم رهائن لأيام عدة، وتم الإفراج عنهم بحسب التقارير غير المؤكدة بعد ضغط محلي ودولي كبير. في هذه الأثناء، توقفت كل الوسائل الإعلامية الموالية لصالح، واتسمت هذه الفترة بحال من الرعب والخوف في أوساط الإعلاميين والرأي العام في المنطقة الشمالية لليمن التي يسيطر عليها الحوثيون. بحسب روايات الأهل والأصدقاء، شهدت تلك الفترة إعدامات ميدانية لشخصيات كثيرة موالية لصالح والمؤتمر الشعبي العام. شدد الحوثيون سيطرتهم على الإعلام المرئي والمقروء، وحجبوا أيضاً مواقع التواصل الاجتماعي لأيام. كل ذلك كان لتحقيق تعتيم إعلامي يعزل اليمن عن العالم ويمنع المواطنين من معرفة ما يحدث بالضبط وفهمه.

وبعد أن هدأت الأمور قليلاً وانقشع الغبار، ظهر انقسام داخل الإعلام الموالي لصالح. جزء منه أظهر وفاء له وهرب إما إلى جنوب اليمن أو الى دول عربية مجاورة وواصل عمله الإعلامي مركزاً على نشر جرائم الحرب التي تمارسها جماعة الحوثي، والجزء الآخر تغاضى عن جريمة مقتل صالح وبقي في صنعاء يعمل مع جماعة الحوثي ضد التحالف العربي بقيادة السعودية. فأصبحت “الْيَمن اليوم” منقسمة بين جزء موالٍ لصالح بطاقم يعمل من القاهرة وجزء موال للحوثيين بطاقم يعمل من صنعاء. في حديث لي مع صحافي موالٍ لصالح، لم يعلن اسمه حفاظاً على سلامته، أخبرني كيف أنه اضطر إلى الهرب من صنعاء نحو عدن حتى لا يعمل تحت سيطرة الحوثيين وكيف أن من بقوا في صنعاء يعملون مع الحوثيين خوفاً من قمعهم وإرهابهم.

ما حدث للإعلام الموالي لصالح هو جزء بسيط فقط لواقع الإعلام اليمني المأسوي. مقتل صالح كان بمثابة زلزال سياسي ترك فراغاً سياسياً وإعلامياً أيضاً، فالانقسام وسط إعلام صالح لم يتداركه بعد حزب صالح “المؤتمر الشعبي العام” والزعامات التي تريد أن تواصل مسيرته، كابنه أحمد صالح وابن اخيه طارق صالح..



في مناخ إعلامي تنعدم فيه الصدقية، خسر الإعلام الحزبي في اليمن قائداً كان يحب دور المراسل أحياناً.

__________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر

الطفلة شيماء: مأساة أطفال اليمن




منذ أسبوع تقريباً، ظهرت صور صادمة لطفلة يمنية تدعى شيماء في التاسعة أو الثامنة من عمرها، تبدو آثار ضرب وحروق
 على جسمها. انتشرت صور شيماء بشكل واسع في الوسط اليمني، على “فيسبوك” و”تويتر” وخصوصاً على “واتساب”. تظهر شيماء في الصور وفي الفيديو وعيناها الصغيرتان محاطتان بهالة سوداء إلى بنفسجية نتيجة الضرب، تتحدث عن كيف دأب يضربها والدها منذ فترة، إذ يمسكها من شعر رأسها ويلقي بها بعنف عرض الحائط ويضرب رأسها أكثر من مرة، ثم يحرق ذراعها بأعواد الكبريت أو ما شابه ذلك.

بحسب ما تداولته بعض وسائل الإعلام اليمنية، “الطفلة من أهالي صنعاء القديمة وتسكن في حارة “القليس”. تخلت عنها أمها وهي صغيرة وعاشت في كنف جدها حتى مات، قبل أن يستعيدها والدها إلى وصايته لاحقاً”. وفي رواية أخرى، قيل إن الطفلة كانت تتحمّل التعذيب من قبل زوجة الأب. وكثرت الروايات عن حيثيات تعنيف الطفلة، ولكن الأكيد أنه بعد نشر الصور على الإنترنت تفاعل الرأي العام اليمني بشكل كبير، وظهرت أخبار عن إنقاذ شيماء بعد أن تدخلت ناشطات من “اتحاد نساء اليمن”، الذي تابع قضية الفتاة، وبلّغ الأجهزة الأمنية في صنعاء وتم اعتقال الوالد ووضعت شيماء في رعاية إحدى القيادات النسائية في الجهاز الأمني.

قد تبدو تفاصيل قضية شيماء غير واضحة، لأن الصحافة اليمنية لم تنشر إلا ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي (صحافة المواطن)، ولكن من المعروف أن هذه ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها قصص أطفال يمنيين معنفين من قبل ذويهم في اليمن، بل هناك أكثر من شيماء في مناطق كثيرة في البلاد، ساعد على انتشار قصصهم رواج استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الأعوام الأخيرة. في بلد كاليمن حيثُ حوالى نصف السكان تحت عمر الخامسة عشرة، العنف ضد الأطفال مشكلة اجتماعية وقانونية مزمنة، تفاقمت أكثر مع استمرار الصراع في اليمن. سبق ووقّعت اليمن اتفاقية حقوق الطفل (1991) وجاء القانون اليمني مطابقاً لتلك الاتفاقية، إذ تشدد المادة 3 من قانون حقوق الطفل الصادر عام 2002 على تحديد حقوق الطفل وتوفير الحماية القانونية له، ومع هذا هناك أزمة حقيقة في انعكاس أزمات اليمن على الأطفال، إذ ما برح تأثير الحرب جسيماً عليهم.

قضية شيماء تثير أسئلة كثيرة عن ثقافة العنف في اليمن بعدما دخل الصراع في البلاد عامه الرابع. بطبيعة الحال، هناك عدد لا يحصى من الأطفال في اليمن الذين يعانون من أمراض نفسية أو الصدمة (trauma) ليس نتيجة تجربتهم ومعايشتهم الصراع والعنف القائم في اليمن وحسب، وإنما أيضاً بسبب تعرّضهم للعنف من قبل الأهل والأقرباء. وبذلك لنا أن نتخيل فداحة تفشي الأمراض النفسية لدى فئات المجتمع المختلفة والإرث الذي ستخلفه الحرب متى ما انتهت.

في بلد تفتك به الحرب ويعيش تفككاً مستمراً في مؤسسات الدولة وأنظمة القانون والمراقبة، وعلى رغم فقره المدقع، كان أمراً مفرحاً أن يتفاعل الرأي العام اليمني وأن يصرخ لنجدة الطفلة شيماء. ففي اليمن ما زال التكافل الاجتماعي يقاوم الأزمات القاهرة التي تعصف بالبلاد. وكان من الأجدر بالبرامج الاجتماعية في وسائل الإعلام العربي أن تلتفت إلى هذه اللحظة الفارقة في صحافة المواطن في اليمن وتفاعل الرأي اليمني تجاه قضية العنف ضد الأطفال عموماً. وسواء لأجل شيماء اليوم وشيماء الغد، يحتاج أطفال اليمن حقاً إلى إنهاء الصراع وتحقيق السلام، فمن دون ذلك سيكون من الصعب الحصول على الحماية والرعاية. ببساطة، إن إنهاء الصراع في اليمن أصبح مسألة حياة أو موت لملايين الأطفال.

_________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر

الحديدة: طريق التحالف إلى صنعاء أم طريق الإمارات الى البحر؟




*مع الأخذ في الاعتبار ندرة وسائل الإعلام اليمنية المستقلة، هناك وفرة أخبار من الإعلام الموالي للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإعلام الموالي للحوثيين، عن معركة الحديدة منذ ما يقارب الأسبوع. بالنسبة إلى التحالف العربي، فإن قوات الشرعية اليمنية بدعم عسكري من التحالف أصبحت على أعتاب “نصر قريب”، مع تقدمها نحو مدينة الحديدة والاستيلاء على ميناء المدينة الذي يعتبر من أهم المنافذ البحرية لليمن والملاحة العالمية. وبالنسبة الى الحوثيين، فقد اعترف منذ أسبوع قائد الجماعة، عبدالملك الحوثي، خلال خطاب متلفز له، بتراجع سيطرة قواته على المدينة، مشيراً إلى “أن أي تراجع في الحديدة هو لأسباب موضوعية ولا يعني نهاية المعركة”.

لكن ماذا يعني الحوثي بقوله “أسباب موضوعية”؟

سبّب هذا التبرير غير المقنع موجة سخرية من قبل شرائح من الرأي العام اليمني شعرت أن الحوثي يسعى من خلال تصريحاته إلى حفظ ماء الوجه حيال هذه الخسارة. وكانت جماعة الحوثي قد سيطرت على الحديدة ومينائها منذ ما يقارب ثلاثة أعوام بدعم من قوات الرئيس السابق الراحل علي عبدالله صالح. ولهذا فإن فقدان السيطرة على هذه المدينة ليس بالأمر السهل بالنسبة لها.

أما قوات التحالف فإن الهدف من المعركة في الحديدة كما سبق وأعلنت هو، “عزل جماعة الحوثي عن الحديدة، وقطع شرايينها مع إيران، فالحديدة تعد، بفضل مينائها ومطارها، آخر منفذ بحري للحوثيين لتلقي الأسلحة المهربة من إيران، إضافة إلى التحكم بالمساعدات الإنسانية، ومحاولة تهديد الملاحة في البحر الأحمر، ما يؤكد أن تحريرها سيشكل ضربة قاصمة للحوثيين”.

أهمية الحديدة تاريخياً

لعبت مدينة الحديدة دوراً سياسياً وعسكرياً مهماً في تاريخ اليمن المعاصر. ففي نهاية حكم المملكة المتوكلية اليمنية (1918 – 1962) أصبحت الحديدة قاعدة عسكرية بعد أن ساعد الاتحاد السوفياتي بإنشاء ميناء الحديدة، وظلت لسنوات كثيرة محط أنظار الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي لتكون قاعدة عسكرية مطلة على البحر الأحمر وقاعدة حيوية على مستوى منطقة الشرق الأوسط. منذ 2012 أعربت دولة الإمارات عن رغبتها في الاستثمار في موانئ اليمن وبدأت عقد صفقات تحت هذا العنوان، فهل نستقي من ذلك أن الاستثمار في ميناء الحديدة سيكون ضمن خطط الإمارات الاقتصادية في اليمن؟

معركة الحديدة مهمة لأسباب أكبر من ما يعلنه التحالف العربي، فالانتصار في جبهة الحديدة يطرح أسئلة كثيرة عن المعارك المقبلة في الصراع القائم، فالتقدم العسكري في الحديدة لقوات التحالف غيّر وما زال موازين القوى بين أطراف الصراع، خصوصاً في ظل تغييب الحل السياسي.

أغلب التقديرات ترجح أن جبهة الحديدة تفتح الطريق إلى صنعاء، مع الأخذ بالاعتبار أن الخصائص الجغرافية في الانتقال من الساحل إلى جبال اليمن المحيطة بصنعاء وضواحيها سيكون تحدياً كبيراً أمام قوات التحالف والشرعية. ومتى ما بدأت معركة صنعاء ستكون الكلفة الإنسانية باهظة جداً، ولربما تتحول إلى حرب استنزاف أكثر بشاعة مما رأيناه في معركة حلب أو معركة الموصل.

توقيت معركة الحديدة خطير ومرتبط بتطورات اقليمية. فالداعم الرئيسي لجماعة الحوثي أي ايران تريد أن تستخدم اليمن كورقة ضغط في مفاوضاتها مع عدد من الدول الأوروبية في البحث في سبل إنعاش إتفاقية الأسلحة النووية بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منها. قد تجد صنعاء نفسها في قلب صفقة مساومة بين إيران والسعودية ومن يدري فقد يتوصل أطراف النزاع الى حل سياسي على ضوء رغبة إيران في استرجاع الاتفاقية وتخفيف التوتر في المنطقة.

_____________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر