14.12.18

هل يتحقق السلام أخيراً في اليمن؟


Image result for Houthis + closing


ما يزال من المبكّر للغاية الاعتقاد بأنَّ السلام في اليمن يلوح في الأفق، لكن في الوقت ذاته، لا يمكن للمرء القول إنه ليس ثمَّة نهاية في الأفق.

لم تكن تغطية محادثات السلام اليمنية في مدينة رينبو السويدية، التي بدأت الأسبوع الماضي، أمراً سهلاً، فالمناقشات تجري في جلسات مغلقة، وتعمل الصحافة في ظلِّ قيود كثيرة، وتتغيَّر التحديثات حول المحادثات باستمرار، وقد جعل الطقس المُتجمِّد والأيام المُظلِمة مهمة اكتشاف الحقيقة مهمةً صعبة. ولم تجرِ مشاركة جدول الأعمال الكامل، لكنَّ القضايا الإنسانية كانت محور التركيز الرئيسي حتى الآن.


ومع أنَّ صفقة التبادل الكبيرة للسجناء شكَّلَت انفراجةً في المفاوضات، لكن بدون وقف لإطلاق النار، ومع وجود انقسامات عميقة بين الطرفين حول إطار العمل السياسي الذي يمكن للجميع الاتفاق عليه، ما تزال ثمّة عقباتٌ هائلة تواجه إحلال السلام في اليمن.

ومع أنَّ مقترحات الإطار السياسي لم تُناقَش بعد، فإنَّ الأطراف المتحاربة أظهرت هوةً واسعة من الاختلافات حول قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2216 لعام 2015، الذي دعا لنزع سلاح الحوثيين واستعادة الشرعية الرئاسية لعبد ربه منصور هادي.

ومع ذلك، فإنَّ احتمالات السلام واعدة، لكن بشروط: إذا استمر الضغط من المجتمع الدولي، لا سيما الولايات المتحدة، وإذا أبدت الأطراف المتحاربة اهتماماً عميقاً في التوصُّل إلى حلٍّ سياسي.

خارجياً، تأتي محادثات السلام هذه بعد إدانة عالمية لمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وإعادة التقييم العالمي للحرب السعودية المدمرة في اليمن، ودعوات جادة من مسؤولين أميركيين بارزين لإنهاء الحرب.

وبعيداً عن جلب الأطراف المتحاربة للالتقاء وجهاً لوجه للمرة الأولى منذ عامين -وهو إنجازٌ في حدِّ ذاته- فإنَّ المبعوث الأممي الخاص لليمن، مارتن غريفيث، قد نجح في التعامل مع أوجه القصور في تجهيز المحادثات السابقة وإدارتها.

أنشأ غريفيث مجموعتين استشاريتين مستقلتين (للشؤون السياسية والمدنية) تتكوَّنان من أبرز السياسيات والسياسيين اليمنيين الذين ساهموا، وسوف تستمر مساهمتهم، في إجراء المحادثات.

تغير النفوذ

بعد أربع سنوات، غيَّرت الحرب في اليمن، بشكلٍ جذري، من القوتين السياسية والعسكرية للأطراف المتحاربة. إذ عزَّزَ قتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح من القوة السياسية والعسكرية للحوثيين، لكن من الممكن لمعركة الحديدة أن تعدل من توازن القوى وتمثِّل ميزةً عسكرية لأحد الأطراف، لما تنته المعركة بعد، ولا تزال جميع الاحتمالات قائمة.

ومع ذلك، فيبدو أنَّ الرغبة في الوصول إلى اتفاق أقوى مما كان عليه الحال في المحادثات السابقة، إذ أدركت الحكومة اليمنية زيادة الضغط الدولي على داعمها، المملكة العربية السعودية.


ويبدو أنَّ الحوثيين أيضاً قد أدركوا أنَّ السعودية بحاجة لحفظ بعضٍ من ماء وجهها في أعقاب العزلة الدبلوماسية العالمية لها بعد مقتل خاشقجي. ويمكنهم استخدام ذلك لمصلحتهم لانتزاع تنازلات، ويعتقد بعض المراقبين أنَّ من بين الأسرَى عشرات السجناء السعوديين الذين تُصمِّم السعودية على استعادتهم.

لكنَّ إحدى المشكلات الرئيسية، ما لم تكن المشكلة الأساسية، تتمثَّل في من لديه سلطة اتخاذ القرار الأخير في المحادثات. ربما يخلص البعض إلى أنَّ هذه العملية مضيعةٌ للوقت بدون محادثات مباشرة بين عبد الملك الحوثي وعبد ربه منصور هادي؛ ذلك أنَّ التقدم بطيء، إذ يتعيَّن على كلِّ وفدٍ إبلاغ قادته، ولا يمكنه المضي قُدُماً إلا بعد فعل ذلك.

وعندما أُثيرت هذه المعضلة أمام أعضاء الوفود، ردوا بفظاظة ورفضوا الإفصاح قائلين: "من المحال عقد محادثات سلام مباشرة بين الرئيس عبد ربه منصور هادي وعبد الملك الحوثي، والأمور أعقد مما تبدو عليه".

إرادة سياسية جمعية

من أجل أن تنجح هذه المحادثات، فثمّة عنصر آخر بحاجة إلى أن يسير بالتوازي مع المفاوضات. فاللاعبون الخارجيون (السعودية والإمارات وإيران والولايات المتحدة والمملكة المتحدة) بحاجةٍ إلى تقديم الدبلوماسية وتشجيع هادي على عقد حملة مصالحة وطنية يمكن بموجبها للأطراف اليمنية المتحاربة وضع خارطة طريق سياسية جديدة.

ينبغي أن تدرك السعودية والإمارات والولايات المتحدة الآن، بعد أربع سنوات من القتال، أنَّ الوسائل العسكرية وحدَها لن تُنهي هذا الصراع، وينبغي أن تتفق السعودية والإمارات، على وجه الخصوص، في الطريقة التي يرون فيها يمن ما بعد الحرب.

إنّ حقيقة دعمِ الإمارات لحركة انفصالية في الجنوب وتنفيذِها عمليات قتل غير قانونية لزعماء سياسيين يمنيين، يقوِّض السلم والاستقرار في اليمن.

حتى الآن، فإنَّ هذه المحادثات ليست مُعرَّضةً لخطر الانهيار، ومن الأهمية بمكان أن تنتهي باتفاق حول فتح مطار صنعاء وتثبيت وقف إطلاق النار للتخفيف من الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

ويُعدّ توقيت محادثات السلام أمراً بالغ الأهمية؛ إذ إنَّ التركيز الدولي على اليمن غير مسبوق، وتأتي هذه المحادثات في لحظة حاسمة سياسياً وعسكرياً، وينبغي الاستفادة منها قبل اختفاء الفرصة وغياب اليمن عن الاهتمام العام مرة أخرى.

محادثات السلام هذه خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها سوف تكون طريقها طويلة وصعبة.

______________________________________________________
بقلم: أفراح ناصر. نُشر المقال بالأول بالإنجليزية على موقع TRT بتاريخ ١٢ ديسمبر ٢٠١٨. 

21.9.18

الصحافة في اليمن تعاني بشكل كبير

أفراح ناصر، صحفية يمنية مشاركة في برنامج داغ همرشولد للزمالة الصحفية في نيويورك، برفقة عدد من الصحفيين الآخرين المشاركين في البرنامج خلال حفل استقبالهم في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. تعمل أفراح مراسلة صحفية ومدونة مهتمة بموضوع انتهاكات حقوق الإنسان، وقضايا المرأة وحرية الصحافة.


قالت أفراح ناصر وهي صحفية يمنية مشاركة في برنامج داغ همرشولد للزمالة الصحفية في نيويورك إن الصحافة في اليمن تعاني بشكل كبير. وتعمل أفراح مراسلة صحفية ومدونة مهتمة بموضوع انتهاكات حقوق الإنسان، وقضايا المرأة وحرية الصحافة.

وقد حصلت الصحفية اليمنية، المقيمة في السويد، على العديد من الجوائز، بما في ذلك جائزة لجنة حرية الصحافة الدولية عام 2017. وتحمل أفراح ناصر درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة صنعاء في اليمن وشهادة الماجستير في الاتصال من جامعة غوتنبرغ، السويد.

أخبار الأمم المتحدة التقت أفراح التي جاءت إلى نيويورك لتغطية المداولات رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، ضمن زمالة داغ همرشولد، بصحبة ثلاثة صحفيين آخرين من الهند والأرجنتين وكينيا، حيث تحدثت عن المصاعب اليومية التي تواجه الصحافة المستقلة في اليمن:

"الصحافة المستقلة التي يمكن أن تجري تغطية متوازنة للوضع في اليمن تقريبا مختفية. الصحفيون اليوم مشردون أو مقموعون أو في السجون، وقد ترك بعضهم العمل للبحث عن فرص أخرى يستطيع بها توفير سبل العيش... أغلب الصحفيين الذين يغطون أخبار اليمن هم خارج اليمن."

وأعربت أفراح عن سعادتها باعتبارها أول صحفية تشارك في برنامج داغ همرشولد للزمالة الصحفية:

"بالنسبة لي، ومنذ أكثر من عشر سنوات مثلت لي الصحافة جواز سفر. أحس أنني خلقت لأكتب. لأنني من صنعاء ولأنني بنت كانت هناك توقعات من المجتمع حول ما يمكن أن أنجزه. ولكنني اليوم أنا فخورة أنني خالفت التوقعات وحدودي كانت أكبر. أتذكر ما قاله له أستاذي في الجامعة بأنني سأموت فقيرة بدون أن أجد من يقرأ لي. لأنه كان يرى أن المحيط الذي كنت فيه لن يساعدني على تحقيق أحلامي في أن أصبح كاتبة ناجحة. أريد أن أرسل له هذه الرسالة وأقول له أنني وصلت مرتبة أنا سعيدة بها." 

ويوفر البرنامج فرصة للصحفيين الواعدين من البلدان النامية لمراقبة مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة والإبلاغ عن إجراءات وسائل الإعلام في بلدانهم الأصلية، فضلا عن الالتقاء مع الخبراء الدوليين والدبلوماسيين، والتفاعل مع الصحفيين المخضرمين، وإجراء اتصالات مهنية تخدمهم لسنوات قادمة. حيث حقق العديد من المشاركين السابقين في البرنامج نجاحا وإشادة محليا ودوليا.

ويسعى البرنامج إلى تعزيز التفهم الكامل لمداولات الأمم المتحدة لتخفيف المعاناة الإنسانية وتعزيز السلام، لدعم وتشجيع مهنة الصحافة، ولإلهام مجتمع قوي ومتنوع من الصحفيين الذين سيتحدثون بقوة عن التحديات التي تواجه بلدانهم.

وأُنشئ برنامج داغ همرشولد لدعم الصحفيين، وهو منظمة غير ربحية، منذ أكثر من خمسين عاما من قبل الصحفيين في الأمم المتحدة تخليدا لإرث السلام والتقدم والعدالة في داغ همرشولد، الأمين العام الثاني للأمم المتحدة الذي قتل في حادث تحطم طائرة بينما كان في مهمة سلام إلى الكونغو في عام 1961.

_________________________________________________________

20.9.18

عن عادل وعن المجاعة المُحدقة باليمن



*عندما ذكرت لي أمّي في صنعاء في اتصال بيننا قبل سنة أنها تعمل على جمع تبرّعات من ملابس وأغطية للنازحين في صنعاء، سألتني إذا ما كنتُ على دراية بمبادرات إنسانية محلية تستطيع أن تتواصل معها حتى تنسّق التبرّعات وتوزّعها على المحتاجين. أخبرتها عن عدد من المبادرات، ثم كان لها التواصل مع عادل هاشم، الشاب الدؤوب ذي ال٢٦ سنة الذي يدير منظمة Human Needs Development (احتياجات إنسانية للتنمية) التي تهدف إلى مساعدة الفئات الأكثر تضرّراً في اليمن وتزويدها بالحاجات الأساسية، كالطعام والشراب والتعليم والصحّة.

منذ مدّة طويلة وأنا أراقب عادل على “تويتر” وهو يغرّد عن الحالات الإنسانية التي يراها وعن عمله التطوّعي. سُعدت جداً عندما تم التعاون بينه وبين والدتي بنجاح حيث استطاعا مساعدة عشرات الأسر اليمنية الفقيرة. على رغم الموارد المحدودة يعمل عادل كمتطوّع مع فريق من شبكة من المتطوّعين في مدن يمنية كثيرة، على جمع التبرّعات النقدية والعينية من المتبرّعين المحليّين وفاعلي الخير ومن ثم يقومون باستهداف الأسر الفقيرة في صنعاء ومدن أخرى. منذ عام 2016 عمل فريق “هيومن نيدز” على مساعدة 20 ألف شخص تقريباً، وإمدادهم بالخدمات الإنسانية (الماء أو الطعام أو التعليم أو الصحة).

خلف عناوين الأخبار وإحصاءات المجاعة المُحدقة باليمن عادل وفريقه نموذج واحد من بين سيل من الجهود المحلية التي تحاول تدارك الأزمة. يُقدّر عدد المنظمات الأهلية العاملة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية في اليمن بـ11 ألف منظمة




بدأ عادل العمل التطوّعي الإنساني منذ أيام الدراسة في الجامعة (2013 – 2016)، من خلال المشاركة في حملات إنسانية، وفي تلك الفترة يقول عادل “أدركت حجم معاناة اليمنيين وما مدى الحاجة الكبيرة والعاجلة بين هؤلاء الأسر، ليس فقط في صنعاء وإنما في أرجاء اليمن كافة”.

لعقود طويلة كان اليمن أفقر دولة عربية، فأتت الحرب اليوم لتدمّر هذا البلد الهشّ. يعتمد اليمن اليوم تقريباً على التبرّعات الدولية، فقد عُقد أكثر من مؤتمر دولي في مكتب الأمم المتحدة في جنيف لجمع الأموال من أجل اليمن. آخر مؤتمر عُقد في نيسان/ أبريل نجح في الحصول على تمويل إنساني بقيمة تزيد على ملياري دولار، الأمر الذي يُعتبر خطوة مهمّة في حركة التضامن الدولي مع شعب اليمن.

يتلقّى فريق عادل تمويلاً متواضعاً من ثلاث جهات: من قبل منظمات غير ربحية في ألمانيا وإيطاليا وأميركا وإنجلترا، ومن قبل تبرّعات عبر منصّة تبرّعات على الإنترنت، ومن داعمين محليين. يخبرني عادل، “يُعتبر التمويل من الداعمين المحليين الأقل في نسبة إجمالي الدعم الذي تحصل عليه منظمتنا، وذلك لأن الوضع الاقتصادي بالمجمل مأسوي في البلاد فقد أغلقت شركات محلية وأفلست أخرى بسبب الحرب”.

يعتمد عادل بشكل كبير على الإنترنت للتواصل مع المتبرّعين الأفراد، وهنا السؤال: ماذا كان سيحدث لهذه المبادرة لولا التواصل مع العالم الخارجي عبر الإنترنت في ظل الحصار المفروض على اليمن؟ ما هو دور وسائل التواصل الاجتماعي هنا؟ والسؤال الأهم عن دور الجاليات اليمنية الكبيرة في إنجلترا وأميركا في إرسال هذه التبرّعات لليمن وإنقاذ آلاف الأرواح على مرّ الصراعات التي عصفت وما زالت تعصف باليمن؟ ربما هذه الأسئلة اقتراحات لدراسات مستقبلية للباحثين والباحثات في قضايا اليمن.

على رغم التغطية الإعلامية لليمن الموجودة اليوم، يرى عادل أن “الإعلام مقصّر بشكل كبير في نقل معاناة اليمنيين إلى العالم وليس كما حال الأزمة في سوريا.” يتمنى عادل أن يحصل اليمن على تغطية إعلامية أكبر، لأنه يشهد أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم.

الحالات الإنسانية التي يتعامل معها عادل تتراوح بين أسر من دون معيل ليس لها أي مصدر دخل، وهي على شفير المجاعة، وأسر نازحة من دون مأوى ولا طعام ولا ثياب، وأطفال يتامى من ذوي الاحتياجات الخاصة.

يخبر عادل قصة الطفل “علي” وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة منذ ولادته، يعيش مع أسرته المكوّنة من 8 أفراد في بيت قديم جداً في صنعاء ينعدم فيه حتى الأثاث. قتل والده أثناء مشاركته في القتال في صفوف الحوثيين. علي الآن يتسوّل في شوارع صنعاء من أجل لقمة عيش لأسرته. أما أمّه التي تعتني بأطفالها الخمسة بعد أن توفي رب الأسرة منذ ثلاث سنوات، فتعمل حالياً بجمع العلب البلاستيكية لبيعها لتغطية تكاليف الدقيق لأسرتها وتبقي القليل من هذه العلب البلاستيكية تحرقها، لتطبخ لأولادها.

لكن يقول عادل إن قصة الطفل محمد هي من قصص النجاح التي يستمد منها عادل وفريقه الأمل. فذات مرّة أثناء جولة استطلاعية لفريق عادل في المستشفيات الحكومية في صنعاء للأطفال الذين يحتاجون إلى مساعدات مالية لتغطية تكاليف علاجهم، وجدوا طفلاً يتيماً يدعى محمداً. أصيب محمد بصعقة كهربائية في يده اليمنى في محافظة مأرب ومن ثم تم إسعافه إلى المستشفى الجمهوري التعليمي بصنعاء ذي الرسوم المنخفضة والعناية الصحية الرديئة.

وصل محمد المستشفى مبتور اليد بسبب الصعقة الكهربائية وكانت ملامح الحزن تبدو عليه. رافق محمد عمّه في رحلته من مأرب إلى صنعاء، وأخبر العم عادل عن الحالة الإنسانية الصعبة التي تعيشها أسرته بخاصة بعد وفاة والده بحادث مروري قبل خمس سنوات. وحكى العم كيف لم تستطع أسرة محمد تغطيه تكاليف علاجه، بل لم يكن بمقدورها دفع تكاليف مدرسة محمد وأخته (عزيزة).


يواصل عادل القصة ويقول، “بعد ذلك قامت منظمتنا بسداد كافة تكاليف علاج محمد، وتكاليف عودته إلى قريته في مأرب، وكل تكاليف مدرسة محمد وأخته في مأرب… الجميل في القصة هو أن محمد بدأ عامه الدراسي (2017-2018) ولم تمنعه حالته الخاصة عن الحصول على المركز الأول بين زملائه في المدرسة. كان محمد يبدو سعيداً جداً في جميع الصور التي كان متطوّعونا في مدينة مأرب يرسلونها بشكل دوري”.


_________________________________________________________
*كتابة : أفراح ناصر
نُشر هذا المقال أولاً على موقع درج، ١٣ سبتمبر ٢٠١٨. 

24.8.18

مزيج من النسوية



*أنا نسوية من اليمن وإثيوبيا والسويد، وفكري النسوي مزيجٌ من النسوية العربية والأفريقية والأوروبية. هل يمكن أن أُعرّف نفسي بكل ذلك دون نعتي بـ"كارهة للرجال" أو "عبدة - سوداء" أو "مستغرِبة"؟ أتساءل لأني أعرف بعض التعليقات السلبية التي ستصلني، فقد وصلتني من قبل. 

الحديث عن النسوية في كل تلك المجتمعات يثير ردود فعل سلبية؛ نعم، حتى في السويد. لكن بالتأكيد تأتي ردود الأفعال السلبية تلك بشكل أكبر من المجتمع العربي - وبالتحديد اليمني - الأمر الذي يجعلني في مرات كثيرة أتردد قبل أن أكتب عن أفكاري النسوية، فالأمر يعتمد على مستوى الطاقة لدي لمواجهة أعداء النسوية، وما أكثرهم. في الوقت نفسه، هناك فئة كبيرة لم تسمع بعد بكلمة "نسوية" من الأساس، أو أنهم سمعوا عنها وأساءوا فهمها، كالاعتقاد بأن النسويات "كارهات للرجال". 

هناك أكثر من نسوية واحدة بداخلي؛ فبفضل تعدد جذوري وأماكن إقامتي، أتمتع بـ"مزيج من النسوية" يجمع ثلاث هويات وثقافات، وما يحيطها من سياقات حضارية وسياسية واقتصادية لكل بلد. 

تقول الكاتبة النسوية الأمريكية بيل هوكس، في كتابها "النسوية للجميع" أن النسوية هي نظرية تخص الجميع، من رجال ونساء، معاً، في كل أرجاء العالم. بل أهم من ذلك، تؤكد هوكس على أن الفكر النسوي لايواجه فقط النظام الذكوري العالمي وإنما يتقاطع أيضًا مع النضالات الأخرى كحركة مناهضة العنصرية والنخبوية والإمبريالية والرأسمالية، فالسياسات النسوية تأخذ بعين الاعتبار قضايا العرق والرأسمالية والجنس، للقضاء على الاضطهاد المتصل بالنوع الاجتماعي.

كان من المهم لي أن أتعرف على أفكار هوكس حتى أدرك أن النسوية ليست حصرًا على الغرب أو العرق الأبيض أو النظريات الأكاديمية، وبذلك بدأت أوسع مفاهيم الفكر النسوي في ثقافتي اليمنية والإثيوبية والسويدية، بطبيعة الحال.

* * *

بحكم قرابة موقع البلدين، وجد أجدادي الرجال اليمنيين أديس أبابا في إثيوبيا مقصدهم بعد أن هربوا من جحيم المجاعة والصراعات في اليمن في فترة الأربعينيات والخمسينيات. تزوجوا بجداتي الإثيوبيات وكونوا عائلات وأطفال. مع منتصف السبعينيات دخلت إثيوبيا في دوامة حرب أهلية ومجاعة وعنف ونزوح، والتي ستفتك بأرواح حوالي مليون ونصف إثيوبي وإثيوبية على مر قرابة عشرين سنة تالية. مع بداية الحرب قرر أجدادي العودة إلى الوطن الأم (اليمن) مع أطفالهم. ولدت وأنا أشعر بأني "يمنية من أديس أبابا". نشأت في اليمن لكني كنت أتردد على إثيوبيا كل سنة خلال فترة الصيف.

كانت جدتي الإثيوبية من جهة الأم مَثلي الأعلى. رغم كونها أمية، كانت تتمتع بشخصية قوية، كما كانت مستقلة اقتصاديًا حيث أدارت عملها الخاص بنفسها. ربّت جدتي أمي على أن تكون متعلمة وقوية الشخصية ومستقلة اقتصاديًا أيضًا، ومن ثم ربتني أمي على ذلك هي الأخرى.

مرت الأعوام وكانت صدفة أن أتخذ من السويد بلدًا ثالثًا بعد أن اضطررت للبقاء فيها لأسباب سياسية. ومع الوقت تعرفت على العديد من النسويات والنسويين، لكني لم أنسى أبدًا جدتي، فهي أول نسوية عرفتها في حياتي.

لم أعرف النسوية من الإنترنت أو من كتاب معين وإنما من جدتي الإثيوبية. فلا جدتي ولا أنا سمعنا عن كلمة "feminism" وقتها. كانت جدتي تُكرر دائمًا أن لا فرق بين الرجل والمرأة إلا بالعمل والاجتهاد. ومن ثم تعلمت النسوية من أمي التي واجهت عنف والدي وعدم مبالاة النظام القضائي في اليمن على مر خمس سنوات لتلبية طلبها للحصول على الطلاق. لكنها أصرّت، وبعد خمس سنوات أخيرًا كان لها ما أرادت. كانت أمي تكرر أنه "كما من حق الرجل أن يطلّق، فلا بد من أن يكون من حق المرأة أن تطلق، لا بد من عدم التفرقة في الحقوق بين الجنسين". وأنا، أخذت كل تلك القيم معي إلى السويد وطبقتها، بل ووسعتها.


وجدت المجتمع السويدي يضغط عليّ بطريقة دبلوماسية حتى أكون نسوية، فكانت ردة فعلي الاستغراب؛ فأنا نسوية عن بكرة أمها وجدتها. أليس ذلك واضحًا بما فيه الكفاية؟ وجدت أن هناك فروقات بين سُبل النسوية التي عرفتها وذلك بسبب العوامل المختلفة التي شكلت كل واحدة منها.

وفي حين تتشارك إثيوبيا واليمن في تاريخهما المليء بالحروب والفقر وتأثيرات ذلك على مؤسسات الدولة، لم تشهد السويد أي حرب منذ أكثر من 200 سنة غير أن لها ماضٍ استعماري في أمريكا وأفريقيا. الحروب وعواقب ذلك العنف كان لها دور كبير في تردي وضع الإنسان بشكل عام في المجتمعين الإثيوبي واليمني، أما السويد فلها تاريخ طويل مع الرخاء الاقتصادي الأمر الذي أثر بشدة على تطور الحركات الحقوقية فيها كالحركة النسوية والحركة العمالية، وغيرها.

في السويد أجد نفسي في مواقف كثيرة أدافع فيها عن النسوية العربية. عادةً لا أشدد فقط على اختلاف الأولويات في النضال النسوي بين العالم العربي والأوروبي، وإنما أُذكّر دائمًا أيضًا في نقاشاتي بدور الأنظمة الاستعمارية والعنصرية في اختلاف تلك الأولويات.

فإذا ما سألتني صديقتي النسوية السويدية عن موقف النساء العربيات تجاه مسألة الجنس قبل الزواج أو إطالة شعر الإبط أو..، أقاطعها فورًا، أنا لا أمثل كل الأصوات النسوية في المنطقة العربية ولكن من وجهة نظري أعتقد أن هذه ليست معركتي الأساسية اليوم في العالم العربي وإناثُنا بعمر الزهور ما زلن يعانين من جرائم الختان والزواج المبكر والحرمان من التعليم والنزوح بسبب الحروب ووقعوهن سبايا في أيدي داعش وغيرها، بالإضافة إلى عدم قدرة النساء على منح جنسيتهن لأطفالهن، والقائمة تطول.

هذا لا يعني أن النساء في السويد استوفين حقوقهن تمامًا. فقضية الاغتصاب مثلًا كانت لفترة طويلة في قلب الحراك النسوي لأن القانون السويدي لم يكن يجرم الجنس دون رضى، ولم يعتبره اغتصابًا إلا من فترة بسيطة. ثم أن النساء اليوم في السويد ما زلن يتقاضين أجرًا أقل من الرجال على أداء نفس الوظيفة، وهو ما يحصل معي ومع صديقاتي أيضًا.

الأهم من ذلك، كنسوية سويدية، أحاول أن أفهم دور السياسات الخارجية لدولة السويد في الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط، وكيف هي مسؤولة عن الدمار الذي يلحق بالنساء ومجتمعاتهن. فمثلاً، من واجبي كنسوية أن استنكر صفقات الأسلحة السويدية المتعلقة بالحرب في اليمن. بل وأن أنتقد وزارة الخارجية السويدية وادعائها بأنها تمارس سياسات خارجية نسوية.

مزيج النسوية الذي بداخلي يتيح لي أن أرى قضايا النساء من منظور أشمل، ومن خلاله أتمكن من فهم كيف تتقاطع القارات الثلاث التي تجمعني في أمور كثيرة، وكيف أنه من واجبي أن أدافع عن قضايا النساء في كل تلك الأماكن. ولعل تجارب اللجوء والنزوح من مكان لآخر، ابتداءً بتجارب أجدادي ووصولًا إلى تجربتي الخاصة فتحت لي آفاقًا جديدة في التفكير بواقع النساء في كل مكان.

_______________________________________________
*كتابة: أفراح ناصر
نُشر هذا المقال أولاً على موقع جيم. 

31.7.18

نساء اليمن: صناعة الفن في زمن الحرب



*قد يبدو الحديث عن الحراك الفني اليمني، ناهيك الحديث عن الحراك النسائي بالتحديد، في مرحلة تشهد فيها اليمن أكبر كارثة إنسانية أمر ليس في أوانه. فقد مرت أكثر من أربعة أعوام على بداية حرب اليمن، والمأساة الإنسانية تهدد حياة أكثر من 22 مليون شخص، سواءً من رجال أو نساء أو أطفال. هناك شحّ في التغطية الإعلامية لما يجري في اليمن، ومتى ما كانت هناك تغطية إعلامية فنجد ان القصص الإنسانية عن المجاعة والأمراض تعطى الأولوية. إذاً، في زمن المجاعة والكوليرا والدمار وتشظّي المجتمع اليمني، ماذا يعني لو تحدثنا عن الحراك الفني اليمني النسائي؟

فكيف لا و المبدعات اليمنيات من مخرجات، ورسامات وكاتبات وأخريات أخذن على عاتقهن التعبير عن ألم مجتمعهن والدفاع عن قضية الإنسان بشكل مستقل عن سيطرة السلطات.

والحق يقال، بعكس ما هو معروف في العالم أن النساء في عالم الفن يعملن في مجال يغلب عليه الرجال وتهميش انتاجهن بالمقارنة مع الاهتمام الكبير للإنتاج الفني للذكور، ولكن في اليمن الوضع مختلف تماماً. من تجربتي في التغطية الإعلامية لليمن منذ عشرة أعوام، أرى أن النساء والرجال بشكل متساوي يشكلون الحراك الفني اليمني، والكل مهمش ولا يحظى بإهتمام اعلامي ولم يتم توثيق أعمالهم/ن ومواهبهم/ن بشكل جيد وكافي. ومع ذلك، أخصص هذا المقال للحديث عن النساء المبدعات اليمنيات.


سارة إسحاق في هذا السياق من أهم المبدعات اليمنيات في جيل الشباب اليوم الذي وجد صوته مع بداية ثورة اليمن في 2011. سجلت المخرجة الشابة اليمنية من جهة الأب وإسكوتلاندية من جهة الأم، إنجاز تاريخي بإنجازها أول فيلم يمني (بالتعاون مع فريق يمني) "ليس للكرامة جدران" (2012) الذي رُشح لجائزة الأوسكار ضمن فئة الأفلام الوثائقية القصيرة. يحكي الفيلم عن مجريات أحداث يوم دامي في بداية الثورة، الذي يعتبر نقطة تحول في مسار الثورة اليمنية.


سارة إسحاق


منذ أن رجعت سارة لليمن في 2011 بعد غياب لمدة عشرة أعوام في سكوتلاندا، وهي توثق تفاصيل حياتية بين الواقع السياسي والإجتماعي في اليمن، فهي تأرجحت بمهارة بين الأفلام الوثائقية التي عبرت فيها عن تجربة المواطن أو المواطنة اليمنية كنتيجة للتطورات السياسية، والأفلام الوثائقية التي تحكي من خلالها تجربتها الخاصة. فمثلاً، الفيلمان القصيران لسارة عن سيدة متظاهرة في ساحة التغيير في صنعاء 2012 أو فيلم "عالقون" عن اليمنيين العالقين في مصر في 2015 يؤكدان على أهمية كاميرا سارة في توثيق لحظات حرجة في ذاكرة المواطن اليمني. أما فيلمها الوثائقي "بيت التوت" الحائز أيضاً على عدة جوائز عالمية وعربية يلخص طبيعة حياة الأسرة اليمنية من خلال سرد السيرة الذاتية والعائلية لسارة إسحاق نفسها.







عندما أجريت لقاء مع سارة إسحاق في 2013 بعد ترشحها للأوسكار، سألتها عن طموحاتها الفنية فأخبرتني كيف أنها مستاءة من عدم وجود أي مكان في اليمن لتعليم صناعة الأفلام ولهذا تطمح في إنشاء مدرسة أو مركز لتعليم صناعة الأفلام في اليمن، ويبدو أن الحلم صار حقيقة.

في مكالمة خاصة مع سارة إسحاق من صنعاء، تخبرني بحماس عن تحضيراتها لورشة العمل الثانية بدعم الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، بعد نجاح ورشة العمل الأولى لصناعة الأفلام لمجموعة من الشباب والشابات في صنعاء. فبعد أن أخذت قسطاً من الراحة لفترة وجيزة بعد ولادة مولودها الأول، تحاول سارة اليوم أن توفق بين مشاريعها العديدة. فإلى جانب إقامة ورشة العمل مع فريق مكتبها قمرة لإنتاج الأفلام، تعمل وراء الكواليس في إنتاج أفلام قصيرة بالتعاون مع وسائل اعلام دولية واقليمية، والاهم من ذلك تعمل الآن على تحضير فيلمها الروائي الطويل الأول وفيلم وثائقي عن النساء والحرب.






سارة اسحاق تقول لي سواءً في الحرب او في السلم لصناعة الافلام دور حيوي لدى الشباب اليمني، فهو اداة تمكين للشباب ومصدر إثراء للنقاش والرأي العام. تقول سارة، "عموماً، صناعة الفنون في زمن الحرب هو بمثابة علاج نفسي، وهنا صناعة الأفلام هي كذلك، سواءً لصانعي الأفلام أو الجمهور - فالأفلام تساعدنا على أن نعبر عن أنفسنا وعلى أن نثري وجهات نظرنا للأمور بعيداً عن الأطر المعلبة."

وبالفعل هذا ايضاً ماحصل مع الرسامة اليمنية الشابة هيّا الحمومي. فعن عمر ال 23 تخبرني هيا في مكالمة خاصة من صنعاء أن الرسم بالنسبة لها وسيلة للتأقلم مع الواقع والضغوطات التي فرضت عليها. تقول هيّا، "أنا أرسم لأنها الوسيلة التي أبرع فيها للتعبير عن نفسي وعن محيطي. البعض يستطيع أن يكتب مقال أو كتاب أو يصنع فيلم ويعبر عن نفسه، لكني أجد الرسم أقرب وسيلة تعبير لي."





بدأت هيّا في عرض رسوماتها للعامة منذ 2014 وهي الفترة التي دخلت فيها اليمن مرحلة الحرب الأهلية، بإجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء وإجتياح مؤسسة الدولة. منذ ذلك الوقت وهيا ترسم لتعبر عن مشاعرها. فمثلاً، رسمتها "الضحية" أو "صرخة غضب" رسمتها هيّا في فترات أرادت فيها أن تصور حالة مجتمعها حيث هو ضحية حرب شعواء يريد أن يصرخ غضباً في وجهها. أما رسمتها عن العنف اللفظي ضد المرأة، ضمن مشروع للمؤسسة تنمية القيادات الشابة في اليمن، لخصت من خلاله هيًا معاناة النساء في اليمن من العنف اللفظي.






شاركت هيّا حتى اليوم في 16 معرضا فنيا في صنعاء وواحد في الكويت وتثني على اهتمام الجمهور في صنعاء ، فهم في أعداد متزايدة مع افتتاح المعارض على مر الأعوام الماضية ولكن تتمنى أن يكون هناك دعم أكبر للطاقات الشابة.





مثال، المغنية اليمنية و عازفة الجيتار الهنا من من لقوا دعم كبير. سطع نجم مثال بعد تعاونها مع فرقة (x ambassadors) العام الماضي في إصدار اغنية مشتركة بإسم (cycles) ضمن حملة تضامن بإسم (i am with the banned) مع البلدان المحظورة من دخول أمريكا بعد القرار التنفيذي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. منذ ثورة اليمن 2011 ومثال تألف وتغني وتنشر أغانيها الخاصة باللغة الإنجليزية.





نجاح مثال لم يكن الوصول إليه بالهين. في حوار لي مع مثال فور اصدار اغنية Cycles اخبرتني كيف أنها واجهت استهجان ومضايقات عديدة في اليمن عندما بدأت الغناء في 2011، وتقول: "كانت تصلني رسائل كره ومضايقات من الناس، بسبب غنائي في أماكن عامة و مختلطة. زادت المضايقات فتوقفت عن الغناء في 2014 واختفيت تماماً عن الحياة الإجتماعية. ومع بداية الحرب في مارس 2015 اخذت جيتاري وسافرت بقوارب اللاجئين الى جيبوتي. هناك عزفت لفترة في الفنادق حتى يكون لي مصدر رزق، وخلال تلك الفترة عملت على نشر أعمالي على الإنترنت فوصلتني دعوات للمشاركة في فعاليات عن اليمن في ألمانيا وكندا. وبعدها استقريت في كندا."

ومن مقرها الجديد في براغ منذ بداية حرب اليمن، ريم مجاهد تنقلك بكلماتها إلى اليمن. الباحثة الإجتماعية والكاتبة ريم مجاهد تعبر عن حنينها الى اليمن في قصص تدهش بواقعيتها وتعبيرها عن معاني مشتركة لدى كل يمني ويمنية. عندما التقيت بريم في براغ بداية هذا العام اعترفت لي انها تحاول من خلال هذه القصص أن تتواصل مرة أخرى مع ريم الصغيرة التي نشأت في احدى القرى في تعز - ريم، بنت القرية.

في رحاب صفحات جريدة السفير، نشرت ريم حتى الان ست قصص متتالية بالعناوين التالية: "بلوزة" و"زفاف"، "فرار" و"سرقة" و"نزوح" و"طريق". لم يمر وقت طويل حتى أدرك فريق جريدة السفير موهبة ريم مجاهد فعرضوا مؤخراً قصص ريم في صفحة واحدة وقالوا، "ادهشتنا الصبية ريم مجاهد. كل قصة لها لوحة عن زاوية من المشهد اليمني اليوم... أو سيناريو لفيلم يمتلك كل الكثافة اللازمة. ادهشتنا ريم مجاهد، وأيقنّا أننا إنما "نكتشف" قاصّة خطيرة."

هذه أربعة أمثلة من قائمة طويلة بأسماء مبدعات يمنيات يواجهن الحرب والنزوح، مسلحات بالخيال والشغف لصناعة الأفلام، الرسم، الغناء والقصة. لم يكتب الكثير بعد عن اليمن والحرب، ونحن بحاجة دائمة لتوثيق أعمال الفنانات والفنانين.


_____________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر
نُشر المقال أولاً على موقع جيم - يونيو ٢٠١٨ 

ماذا حدث للإعلام الموالي لعلي عبدالله صالح بعد موته؟




مساء السبت الثاني من شهر كانون الأول/ديسمبر 2017، أي قبل يومين فقط من مقتله، ظهر الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في لقاء على قناة “اليمن اليوم” التي يمولها، وهي موالية له ولحزبه السياسي “المؤتمر الشعبي العام”. أعلن في اللقاء انشقاق تحالفه مع الحوثيين ورغبته في بدء صفحة جديدة مع المملكة العربية السعودية. لم تكن تلك لحظة سياسية بارزة وحسب، بل كانت أيضاً لحظة إعلامية مهمة، إذ تضمنت إعلاناً ضمنياً للانشقاق الإعلامي بين الطرفين.

ظهر صالح في اللقاء وألقى الخبر بنفسه، فكان هو الخبر وناقله (أي المراسل) في الوقت ذاته، حتى لا يترك أي مجال للشك في الخبر وسط هشاشة صدقية الإعلام اليمني عموماً. كانت لحظة مشابهة لليوم الذي قام صالح نفسه بدور المراسل مع بداية الحرب في أيار/مايو 2015 عندما نقل بنفسه خبر قصف بيته، وهو يحمل الميكروفون أمام الكاميرا، من أمام بيته المهدّم في صنعاء بعد قصف التحالف العربي بقيادة السعودية. 

دور الإعلامي الذي تقمّصه صالح يعكس مدى غياب الوسائل الإعلامية ذات الصدقية والقبول والثقة عند الجمهور، ويدل على مدى تسيّس الإعلام في اليمن. فمنذ بداية التحالف السياسي والعسكري بين صالح والحوثيين في نهاية 2014، عمل هذا التحالف على إدماج شكل التغطية الإعلامية لأخبار الحرب، وعمل الحوثي بشكل رئيسي على السيطرة على كل الوسائل الإعلامية الأخرى في شمال اليمن، وسحق كل إعلام معارض. وبذلك لم يتبقَّ في الشمال سوى إعلام يسيطر عليه الحوثي وصالح. لكن فور مقتل الأخير على يد الحوثيين انقلب هؤلاء على وسائل الإعلام الموالية والممولة من قبل صالح وأصبح اعلام صالح آخر ضحايا الانتهاكات الجسيمة ضد حرية الصحافة في اليمن.

بدأت اللعبة الخطرة في التحالف الإعلامي بين صالح والحوثي مع اجتياح الحوثي صنعاء في منتصف 2014، عندما قامت قوات خاصة بالرئيس عبدربه منصور هادي بالاعتداء على قناة صالح وذلك لهدف غير معلن وقتها، وهو إخماد ذاك التحالف الإعلامي بين صالح والحوثي الذي شكل تهديداً لسلطة هادي، الذي لم يكن له أي وسيلة إعلامية خاصة آنذاك. يبدو أن أكثر ما أزعج هادي هو التغطية الإعلامية المستمرة من قبل تلفزيون صالح للتظاهرات التي قادتها جماعة الحوثي، وإتاحتها الوقت والمساحة لظهور خطابات قائد الحوثيين عبدالملك الحوثي.



وتوضح بعدها شكل الحرب على الإعلام في اليمن ومن عدو من ومن حليف من. أتت الشهور التالية وتبلورت أكثر التحالفات بين صالح والحوثي، وهادي والتحالف العربي بقيادة السعودية، وتوطد العداء بين الجبهتين. ظهر تيار إعلامي ممنهج للحوثيين، سمي من بداية الحرب الإعلام الحربي، الذي يغلب عليه نشر أخبار صفوف القتال لدى الحوثيين وتقارير صادرة عن التحالف بين صالح والحوثي. وفي هذه الأثناء، كان إعلام صالح يعمل على نشر أخباره وحزبه وتحالفه مع الحوثيين. انعكس كل ذلك على المتلقي في شمال اليمن إذ إن الخبر كان يصله مسيساً ومن وجهة نظر التحالف بين صالح والحوثي.

كان الإعلام في بداية التحالف بين صالح والحوثيين يمجد دور التحالف وليس دور كل طرف في معطيات المرحلة. كان دور كل من إعلام صالح وإعلام الحوثي هو التغطية الإعلامية لجرائم الحرب من قبل غارات السعودية ونشر الأخبار عن دور قواتهم في القتال. بعد تشكيل المجلس السياسي الأعلى في تموز/يوليو 2016 بين الطرفين وإبراز التحالف بين صالح والحوثي بشكل أكبر، أصبحت العلاقة الإعلامية وطيدة بين إعلام صالح والحوثي، لمدة عام ونصف العام.



ظهور صالح في اللقاء قبيل مقتله لم يكن نقطة انطلاق الانشقاق الإعلامي بين الطرفين. مرّ التحالف بين صالح والحوثي في الأشهر الستة الأخيرة قبل مقتل صالح بفتور ثم بمدّ وجزر، حتى أدى كل ذلك إلى النهاية. فخلال هذه الفترة من عمر التحالف، قام الحوثي بعدد من المضايقات ضد قوات صالح وأظهر جشعاً وأطماعاً أكبر مما كان اتفق عليه مع صالح. فمثلاً أراد الحوثيون السيطرة على نقاط عسكرية أكثر في نطاق سيطرة قوات صالح، وبعدها أرادوا ايضاً أن يسيطروا على مسجد صالح الضخم في وسط صنعاء، فأقدموا على قتل بعض من الأفراد المقربين للرئيس السابق خلال الصدامات التي كانت تحدث بين فريق صالح والحوثي. ولا بد من الإشارة إلى أن علي عبدالله صالح أبدى صبراً تجاه تلك المضايقات وحاول ألا يصعد الموقف فآثر السكوت في مواقف مستفزة كثيرة. الأمر الذي انعكس على طبيعة التغطية الإعلامية للإعلام الموالي له.

كانت الأمور السياسية والعسكرية بين الطرفين تذهب في طريق وعر، فأثّر كل ذلك في التحالف الإعلامي. وحان الوقت للانفصال الإعلامي متى ما قرر صالح أن التحالف العسكري والسياسي بين الطرفين انتهى. بطبيعة الحال، من المستحيل استمرار أي تحالف إعلامي مع انتهاء التحالف العسكري والسياسي. كان صالح يعرف جيداً أن الإعلام هو جزء لا يتجزأ من عتاده وأسلحته في الحرب ضد أي عدو، وهنا نقصد الحوثيين. 

لكن ماذا حدث بالضبط للإعلام الممول والموالي لصالح بعد مقتله؟ بالتزامن مع المواجهات المسلحة بين الطرفين قُبيل مقتل صالح بيوم، اقتحم عناصر من جماعة الحوثي مبنى قناة وصحيفة “اليمن الْيَوْمَ” واعتقلوا عشرات العاملين فيها واحتجزوهم رهائن لأيام عدة، وتم الإفراج عنهم بحسب التقارير غير المؤكدة بعد ضغط محلي ودولي كبير. في هذه الأثناء، توقفت كل الوسائل الإعلامية الموالية لصالح، واتسمت هذه الفترة بحال من الرعب والخوف في أوساط الإعلاميين والرأي العام في المنطقة الشمالية لليمن التي يسيطر عليها الحوثيون. بحسب روايات الأهل والأصدقاء، شهدت تلك الفترة إعدامات ميدانية لشخصيات كثيرة موالية لصالح والمؤتمر الشعبي العام. شدد الحوثيون سيطرتهم على الإعلام المرئي والمقروء، وحجبوا أيضاً مواقع التواصل الاجتماعي لأيام. كل ذلك كان لتحقيق تعتيم إعلامي يعزل اليمن عن العالم ويمنع المواطنين من معرفة ما يحدث بالضبط وفهمه.

وبعد أن هدأت الأمور قليلاً وانقشع الغبار، ظهر انقسام داخل الإعلام الموالي لصالح. جزء منه أظهر وفاء له وهرب إما إلى جنوب اليمن أو الى دول عربية مجاورة وواصل عمله الإعلامي مركزاً على نشر جرائم الحرب التي تمارسها جماعة الحوثي، والجزء الآخر تغاضى عن جريمة مقتل صالح وبقي في صنعاء يعمل مع جماعة الحوثي ضد التحالف العربي بقيادة السعودية. فأصبحت “الْيَمن اليوم” منقسمة بين جزء موالٍ لصالح بطاقم يعمل من القاهرة وجزء موال للحوثيين بطاقم يعمل من صنعاء. في حديث لي مع صحافي موالٍ لصالح، لم يعلن اسمه حفاظاً على سلامته، أخبرني كيف أنه اضطر إلى الهرب من صنعاء نحو عدن حتى لا يعمل تحت سيطرة الحوثيين وكيف أن من بقوا في صنعاء يعملون مع الحوثيين خوفاً من قمعهم وإرهابهم.

ما حدث للإعلام الموالي لصالح هو جزء بسيط فقط لواقع الإعلام اليمني المأسوي. مقتل صالح كان بمثابة زلزال سياسي ترك فراغاً سياسياً وإعلامياً أيضاً، فالانقسام وسط إعلام صالح لم يتداركه بعد حزب صالح “المؤتمر الشعبي العام” والزعامات التي تريد أن تواصل مسيرته، كابنه أحمد صالح وابن اخيه طارق صالح..



في مناخ إعلامي تنعدم فيه الصدقية، خسر الإعلام الحزبي في اليمن قائداً كان يحب دور المراسل أحياناً.

__________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر

الطفلة شيماء: مأساة أطفال اليمن




منذ أسبوع تقريباً، ظهرت صور صادمة لطفلة يمنية تدعى شيماء في التاسعة أو الثامنة من عمرها، تبدو آثار ضرب وحروق
 على جسمها. انتشرت صور شيماء بشكل واسع في الوسط اليمني، على “فيسبوك” و”تويتر” وخصوصاً على “واتساب”. تظهر شيماء في الصور وفي الفيديو وعيناها الصغيرتان محاطتان بهالة سوداء إلى بنفسجية نتيجة الضرب، تتحدث عن كيف دأب يضربها والدها منذ فترة، إذ يمسكها من شعر رأسها ويلقي بها بعنف عرض الحائط ويضرب رأسها أكثر من مرة، ثم يحرق ذراعها بأعواد الكبريت أو ما شابه ذلك.

بحسب ما تداولته بعض وسائل الإعلام اليمنية، “الطفلة من أهالي صنعاء القديمة وتسكن في حارة “القليس”. تخلت عنها أمها وهي صغيرة وعاشت في كنف جدها حتى مات، قبل أن يستعيدها والدها إلى وصايته لاحقاً”. وفي رواية أخرى، قيل إن الطفلة كانت تتحمّل التعذيب من قبل زوجة الأب. وكثرت الروايات عن حيثيات تعنيف الطفلة، ولكن الأكيد أنه بعد نشر الصور على الإنترنت تفاعل الرأي العام اليمني بشكل كبير، وظهرت أخبار عن إنقاذ شيماء بعد أن تدخلت ناشطات من “اتحاد نساء اليمن”، الذي تابع قضية الفتاة، وبلّغ الأجهزة الأمنية في صنعاء وتم اعتقال الوالد ووضعت شيماء في رعاية إحدى القيادات النسائية في الجهاز الأمني.

قد تبدو تفاصيل قضية شيماء غير واضحة، لأن الصحافة اليمنية لم تنشر إلا ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي (صحافة المواطن)، ولكن من المعروف أن هذه ليست المرة الأولى التي تنتشر فيها قصص أطفال يمنيين معنفين من قبل ذويهم في اليمن، بل هناك أكثر من شيماء في مناطق كثيرة في البلاد، ساعد على انتشار قصصهم رواج استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الأعوام الأخيرة. في بلد كاليمن حيثُ حوالى نصف السكان تحت عمر الخامسة عشرة، العنف ضد الأطفال مشكلة اجتماعية وقانونية مزمنة، تفاقمت أكثر مع استمرار الصراع في اليمن. سبق ووقّعت اليمن اتفاقية حقوق الطفل (1991) وجاء القانون اليمني مطابقاً لتلك الاتفاقية، إذ تشدد المادة 3 من قانون حقوق الطفل الصادر عام 2002 على تحديد حقوق الطفل وتوفير الحماية القانونية له، ومع هذا هناك أزمة حقيقة في انعكاس أزمات اليمن على الأطفال، إذ ما برح تأثير الحرب جسيماً عليهم.

قضية شيماء تثير أسئلة كثيرة عن ثقافة العنف في اليمن بعدما دخل الصراع في البلاد عامه الرابع. بطبيعة الحال، هناك عدد لا يحصى من الأطفال في اليمن الذين يعانون من أمراض نفسية أو الصدمة (trauma) ليس نتيجة تجربتهم ومعايشتهم الصراع والعنف القائم في اليمن وحسب، وإنما أيضاً بسبب تعرّضهم للعنف من قبل الأهل والأقرباء. وبذلك لنا أن نتخيل فداحة تفشي الأمراض النفسية لدى فئات المجتمع المختلفة والإرث الذي ستخلفه الحرب متى ما انتهت.

في بلد تفتك به الحرب ويعيش تفككاً مستمراً في مؤسسات الدولة وأنظمة القانون والمراقبة، وعلى رغم فقره المدقع، كان أمراً مفرحاً أن يتفاعل الرأي العام اليمني وأن يصرخ لنجدة الطفلة شيماء. ففي اليمن ما زال التكافل الاجتماعي يقاوم الأزمات القاهرة التي تعصف بالبلاد. وكان من الأجدر بالبرامج الاجتماعية في وسائل الإعلام العربي أن تلتفت إلى هذه اللحظة الفارقة في صحافة المواطن في اليمن وتفاعل الرأي اليمني تجاه قضية العنف ضد الأطفال عموماً. وسواء لأجل شيماء اليوم وشيماء الغد، يحتاج أطفال اليمن حقاً إلى إنهاء الصراع وتحقيق السلام، فمن دون ذلك سيكون من الصعب الحصول على الحماية والرعاية. ببساطة، إن إنهاء الصراع في اليمن أصبح مسألة حياة أو موت لملايين الأطفال.

_________________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر

الحديدة: طريق التحالف إلى صنعاء أم طريق الإمارات الى البحر؟




*مع الأخذ في الاعتبار ندرة وسائل الإعلام اليمنية المستقلة، هناك وفرة أخبار من الإعلام الموالي للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإعلام الموالي للحوثيين، عن معركة الحديدة منذ ما يقارب الأسبوع. بالنسبة إلى التحالف العربي، فإن قوات الشرعية اليمنية بدعم عسكري من التحالف أصبحت على أعتاب “نصر قريب”، مع تقدمها نحو مدينة الحديدة والاستيلاء على ميناء المدينة الذي يعتبر من أهم المنافذ البحرية لليمن والملاحة العالمية. وبالنسبة الى الحوثيين، فقد اعترف منذ أسبوع قائد الجماعة، عبدالملك الحوثي، خلال خطاب متلفز له، بتراجع سيطرة قواته على المدينة، مشيراً إلى “أن أي تراجع في الحديدة هو لأسباب موضوعية ولا يعني نهاية المعركة”.

لكن ماذا يعني الحوثي بقوله “أسباب موضوعية”؟

سبّب هذا التبرير غير المقنع موجة سخرية من قبل شرائح من الرأي العام اليمني شعرت أن الحوثي يسعى من خلال تصريحاته إلى حفظ ماء الوجه حيال هذه الخسارة. وكانت جماعة الحوثي قد سيطرت على الحديدة ومينائها منذ ما يقارب ثلاثة أعوام بدعم من قوات الرئيس السابق الراحل علي عبدالله صالح. ولهذا فإن فقدان السيطرة على هذه المدينة ليس بالأمر السهل بالنسبة لها.

أما قوات التحالف فإن الهدف من المعركة في الحديدة كما سبق وأعلنت هو، “عزل جماعة الحوثي عن الحديدة، وقطع شرايينها مع إيران، فالحديدة تعد، بفضل مينائها ومطارها، آخر منفذ بحري للحوثيين لتلقي الأسلحة المهربة من إيران، إضافة إلى التحكم بالمساعدات الإنسانية، ومحاولة تهديد الملاحة في البحر الأحمر، ما يؤكد أن تحريرها سيشكل ضربة قاصمة للحوثيين”.

أهمية الحديدة تاريخياً

لعبت مدينة الحديدة دوراً سياسياً وعسكرياً مهماً في تاريخ اليمن المعاصر. ففي نهاية حكم المملكة المتوكلية اليمنية (1918 – 1962) أصبحت الحديدة قاعدة عسكرية بعد أن ساعد الاتحاد السوفياتي بإنشاء ميناء الحديدة، وظلت لسنوات كثيرة محط أنظار الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي لتكون قاعدة عسكرية مطلة على البحر الأحمر وقاعدة حيوية على مستوى منطقة الشرق الأوسط. منذ 2012 أعربت دولة الإمارات عن رغبتها في الاستثمار في موانئ اليمن وبدأت عقد صفقات تحت هذا العنوان، فهل نستقي من ذلك أن الاستثمار في ميناء الحديدة سيكون ضمن خطط الإمارات الاقتصادية في اليمن؟

معركة الحديدة مهمة لأسباب أكبر من ما يعلنه التحالف العربي، فالانتصار في جبهة الحديدة يطرح أسئلة كثيرة عن المعارك المقبلة في الصراع القائم، فالتقدم العسكري في الحديدة لقوات التحالف غيّر وما زال موازين القوى بين أطراف الصراع، خصوصاً في ظل تغييب الحل السياسي.

أغلب التقديرات ترجح أن جبهة الحديدة تفتح الطريق إلى صنعاء، مع الأخذ بالاعتبار أن الخصائص الجغرافية في الانتقال من الساحل إلى جبال اليمن المحيطة بصنعاء وضواحيها سيكون تحدياً كبيراً أمام قوات التحالف والشرعية. ومتى ما بدأت معركة صنعاء ستكون الكلفة الإنسانية باهظة جداً، ولربما تتحول إلى حرب استنزاف أكثر بشاعة مما رأيناه في معركة حلب أو معركة الموصل.

توقيت معركة الحديدة خطير ومرتبط بتطورات اقليمية. فالداعم الرئيسي لجماعة الحوثي أي ايران تريد أن تستخدم اليمن كورقة ضغط في مفاوضاتها مع عدد من الدول الأوروبية في البحث في سبل إنعاش إتفاقية الأسلحة النووية بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منها. قد تجد صنعاء نفسها في قلب صفقة مساومة بين إيران والسعودية ومن يدري فقد يتوصل أطراف النزاع الى حل سياسي على ضوء رغبة إيران في استرجاع الاتفاقية وتخفيف التوتر في المنطقة.

_____________________________________________
*كاتبة المقال: أفراح ناصر

عاكس خط: برنامج السخرية الأول في اليمن يتلاعب بأعصاب الحوثيين



من المستحيل أن تكونوا ممن يتابعون البرامج التلفزيونية اليمنية ولم تشاهدوا برنامج "عاكس خط" وهو اليوم في موسمه السادس، لمقدمه محمد الربع.


ينتظر الكثيرون مشاهدة حلقات برنامج عاكس خط كل رمضان منذ 2011، فقد عودنا محمد الربع أن يطل كل شهر بحزمة من الحلقات، كل واحدة تتناول موضوعاً سياسياً معيناً مرتبطاً بالواقع اليمني، مثل انقطاع رواتب موظفي الدولة أو تغيير مواقف السياسي عبدالعزيز بن حبتور بعدما غيّر تحالفه مع حكومة هادي وأمسى في صف جماعة الحوثيين لاحقاً.


حلقات "عاكس خط" خليط من تعليقات وتحليلات الربع على عدد من مقاطع فيديو مرتبطة بموضوع الحلقة الرئيسي، ويقدم كل ذلك بشكل ساخر تغلب عليه الكوميديا السوداء واللهجة اليمنية المحلية. تتضمن الحلقات أيضاً فقرة غنائية كوميدية يؤديها الربع مع عدد من أعضاء فريق البرنامج.


لا أريد أن أصف الربع بباسم يوسف اليمن، أو تريفور نواه (Trevor Noah) اليمن، حتى أُقرب الصورة وأجعل القارئ يتفهم جيداً ما يقوم به الربع. لا أريد ذلك لأني أدرك من مشاهدة الربع كيف أنه لا يريد أن يُقلد أحداً أو أي برنامج آخر، ولا يريد أن يتصنع بأي شيء حتى يفهمه من في المنطقة العربية أو العالم الغربي، فهو لم يتخلَّ عن كلمة "أشتي" (أريد باللهجة اليمنية) أو أي من حركاته المحلية البسيطة.






الربع يقدم المادة بمنظور محلي بحت، وبلهجة محلية يسعى من كل ذلك أن يجذب اهتمام الجمهور لمتابعته. وبهذا، عاكس خط هو من الشعب اليمني وإليه، في الداخل والخارج. هنا يكمن سر نجاح هذا البرنامج.


في بداية هذا العام أصدر موقع Global Influence من منظمة GDI Gottlieb Duttweiler Institute السويسرية، قائمة بأهم الشخصيات تأثيراً في العالم العربي لعام 2018 وكان الربع في المرتبة 22 من ضمن 117 شخصية. نلمس تأثير الربع بالتحديد على وسائل الإعلام الاجتماعي حيث له شعبية كبيرة. متى ما نشر الربع منشوراً أو غرد أو نشر فيديو من أعماله تنهال عليه اللايكات والتعليقات بالألوف وفي الأغلب يكتب المعلقون كيف أن أعماله تمثل بالضبط ما يريدون أن يقولوه.


وحسب رواية الربع فقد وصلته معلومات تغيد بأن الحوثيين يقتحمون مقاهي الإنترنت في صنعاء ويمنعون أصحابها من مشاهدة أو تحميل فيديوهات حلقات عاكس خط.

من موقع سري في اليمن بعد أن اضطر الربع الهرب من قمع الحوثيين، يعمل على أن تكون مواضيع حلقاته دائماً مستمدة من أحاديث البلد. فمثلاً اختار هذا الموسم الرمضاني أن يبدأ بحلقة عن الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي قُتل على يد الحوثيين في ديسمبر العام الماضي، وكانت الحلقة بعنوان "وين راحوا؟" وعبرت عما يريد الكثيرون قوله.

يخاطب الربع في الحلقة أنصار علي عبدالله صالح وكيف أنهم خذلوه لأنهم لم يقفوا بجانبه، لا وقت اغتياله أو حتى بعد وفاته. وأثارت هذه الحلقة جدلاً واسعاً وانقسم الرأي حيالها بين مع وضد.


برع الربع في شد انتباه جمهوره بفضل دراسته وخبرته. فقد درس الإخراج الإعلامي في جامعة صنعاء قُبيل ثورة ٢٠١١. ومع بداية الثورة نشر فيديو على اليوتوب كهاوٍ يعلق بطريقة فكاهية على تصريحات الناطق باسم حكومة علي عبدالله صالح آنذاك عبده الجندي، الذي عُرف أيضاً بأسلوبه الفكاهي وحظي باهتمام شعبي غير عادي.

يخبرني الربع كيف أنه استمد الإلهام من أسلوب الجندي، فأراد أن ينتج مادة إعلامية تتحلى بالبساطة والعفوية وروح النكتة، فهي التي تجذب العامة، كما كان يفعل الجندي.

ومنذ ذلك الحين، ثابر الربع على إصدار "عاكس خط" كل شهر رغم كل الصعوبات المادية ونقص التمويل، ورغم كل التغيرات الأمنية والسياسية التي عصفت ولم تزل تعصف بالبلاد. وبين العام والآخر حاول الربع أن يضيف برامج بعيدة عن فئة برامج السخرية، كبرنامج "صح النوم"، ولكنه لم يجد نفس الصدى الذي وجده عاكس خط.


أدرك الربع أهمية التركيز على إنتاج برامج معنية بالإعلام الساخر، فهي التي تشفي غليل المواطن اليمني، حسب ملاحظته. لم يكن بالأمر السهل إنتاج حلقات عاكس خط. في ظل قمع حرية التعبير والصحافة في اليمن دفع الربع ثمن تحديه لقمع السلطة والمليشيات. إذ تلقى تهديدات بالقتل وتمت مهاجمة منزله بالرصاص ومحاولة خطف أخته.


وأيضاً نال فريق عمل عاكس خط مضايقات كثيرة. وقد عمل الفريق على أن ينتج كل موسم رغم كل الصعوبات. واضطر أن يسافر في داخل اليمن، متخفياً. وهو يتخذ اليوم من غرفة صغيرة مكتباً واستديو، يتم فيها تأليف وتصوير حلقات عاكس خط. ويجد البرنامج الدعم من قناة يمن شباب التي تبث برامجها من مكاتبها في الأردن وتركيا، وعلى موقعها على اليوتيوب.


مسيرة الربع تلخص مسيرة الإعلام اليمني الذي يحاول أن يكون مستقلاً، والذي ولد من رحم ثورة 2011. منذ بدايته حتى اليوم يوظف الربع طاقاته الإبداعية في نقل صورة عن الواقع السياسي والاجتماعي في اليمن على الشاشة.


بين نكتة هنا وهناك عن مأساة شعب اليمن، يجد المواطن اليمني أن الربع يدعوه للضحك على أوجاعه. يقول: "كل البرامج تناقش القضايا الإنسانية والأمنية في اليمن، وتذكر اليمنيين بالمجاعة والكوليرا ولكن المواطن اليمني نسى أن يضحك، وهذا ما نحاول أن نفعله في عاكس خط وهو أن نذكره بأن يضحك وأن يسخر من جراحنا وسط البكاء والعويل."


عاكس خط ليس البرنامج الوحيد الساخر في اليمن اليوم، لكن أكثر ما يميزه هو أنه لا يحرض على العنف أو الطائفية، بل بالعكس، يدعو للتحليل النقدي وتعزيز الشعور الوطني. من الجلي أن الربع ضد جماعة الحوثي في طرحه، ولكن من تابعه جيداً من بداياته، يدرك أنه كان ولا يزال ضد الاستبداد وضد أي سلطة تستغل صلاحياتها لتقهر شعبها. هنا أجد روح ثورة 2011 في كل ما يصبو الربع إليه.

__________________________________________________
كاتبة المقال: أفراح ناصر
نُشر المقال أولاً على موقع رصيف٢٢ - مايو ٢٠١٨ 

30.7.18

في ذكراها السابعة: هذا ما تعلمتُه من “رؤوفة حسن”



يأتي شهر أبريل/ نيسان لنواجه مرة أخرى الحزن لفقدان أبرز الرائدات النسويات في اليمن في قضايا الجندر والإعلام والسياسة، الدكتورة رؤوفة حسن، أو “الدكتورة” كما نحب في اليمن أن نطلق عليها. في الذكرى السنوية السابعة لرحيلها تذكير آخر بشخصها الفريد وما كانت تعنيه لليمن والعالم العربي. وكأنها كانت تدري أن وقتها قصير في عالمنا، وهي توفيت عن عمر صغير، 53 عاماً، في أحد مستشفيات القاهرة، يوم 27 نيسان 2011.

في كل عام في الذكرى السنوية لرحيلها، كنت أتحاشى فكرة كتابة مقال في رثاء الدكتورة، وأنا التي قلتُ الكثير عنها في مدونتي منذ أن تعرفت إليها شخصياً مع بداية عملي الصحافي في نهاية 2008 في صنعاء. كنت أراها قدوة نسوية وأكاديمية فذة. كنت مدمنة على قراءة مقالها الأسبوعي على صفحات جريدة 26 سبتمبر الرسمية سابقاً- كانت تطالعنا فيه بآخر مشاريعها الثقافية والسياسية.

كصحافية مبتدئة واظبت على زيارة مكتبها (مؤسسة تنمية البرامج الثقافية) في صنعاء، وغطيت الكثير من الفاعليات. لكنني أعاتب نفسي اليوم لأنني لم أكتب عنها كفايةً بعد مماتها. ربما لأن وتيرة الأحداث بعد غيابها كانت في سرعة خيالية أو ربما لأنني كنت أرفض الاقتناع بأنها رحلت، أو ربما للسببين معاً. لكنني هذا العام في أشدّ الاحتياج للكتابة عنها، فقد وصلت مستويات الإحباط واليأس إلى أعلى مراتبها، ليس في وسط اليمنيين واليمنيات فحسب وإنما في المنطقة ككل. أينما تولي وجهك في العالم العربي ترى العنف والموت والدمار، ولم يعد بأيدينا غير الاستسلام، باستثناء من آثر المقاومة.

اخترت المقاومة لأنني ما زلت على قيد الحياة، وأجد أن ذكرى الدكتورة عتاد لا يستهان بها، بكل ما كانت هذه السيدة تمثله من قوة وجلد ومقاومة، وكفاح في سبيل تعزيز النشاط النسائي والنهوض بمنظمات المجتمع المدني في اليمن والمنطقة العربية. ولدت رؤوفة وسط تقلبات سياسية سريعة عصفت باليمن، ومع ذلك واجهتها بمثابرة وإصرار وإيمان على التغيير والتنمية. أجد فيها اليوم مثالاً لبذرة التغيير (على رغم كل إخفاقاته) الذي نادى به شباب وشابات ثورة 2011 في اليمن. وليس بغريب لو اعتقدنا أنها كانت من أهم من أثروا في هؤلاء الشباب والشابات.

لم يكتَب الكثير بالشكل الكافي أو الحرفي عن السيرة الذاتية للدكتورة. ما هو موجود هنا أو هناك لا ينصف حقها، ولكنني أجتهد هنا وأعطي صورة عامة عنها من دون ذكر كل التفاصيل والمناصب التي شغلتها. فقد كانت الدكتورة كالنحلة، لا تمل ولا تكل، وهذه الروح بالتحديد هي ما أود أن أنقله لقراء “درج”.

ولدت الدكتورة في صنعاء لعائلة محافظة، وكانت الحفيدة المفضلة لجدها القاضي الذي دعمها كثيراً. في عمر الثانية عشرة سنة، أتتها فرصة المشاركة في عمل إذاعي للأطفال في إذاعة صنعاء، ولكن تحفظ عائلتها والمناخ المحافظ آنذك اضطرها إلى خوض التجربة من دون علم أهلها، وإلى تغيير اسمها حتى لا يتعرف إليها أي شخص من العائلة أو من يحمل لقب العائلة. فحين ذاك كان العمل في الإذاعة في شمال اليمن عيباً على النساء. فغيرت اسمها من أمة الرؤوف حسن الشرقي، إلى رؤوفة حسن. كبرت رؤوفة وكبرت البرامج الإذاعية التي ألفتها وقدمتها بنفسها، واكتشفت العائلة حقيقة عملها بعد زلة لسان من مذيع زميل أفشى اسمها الحقيقي من طريق الخطأ وهما على الهواء، فقاومت رؤوفة معارضة الأهل، وتدريجياً اقتنعوا بأهمية عملها. وما أن بدأ افتتاح التلفزيون عام 1975 كانت رؤوفة من الأوائل الذين انضموا إليه. سواء في الإذاعة أو التلفزيون ركزت على برامج تخص قضايا المرأة والفساد السياسي.

وبذلك كانت وجهاً إعلامياً بارزاً في الوقت الذي كانت النساء الإعلاميات معدودات. لم تقتنع بالشرشف (قماش يغطي المرأة من من رأسها حتى أخمص قدميها)، الزيّ الذي كانت النساء في شمال اليمن ترتدينها بحكم التمدد الوهابي من دول الجوار. فرفضت أن تلبس الشرشف وكانت في مرات كثيرة بلا حجاب أو بحجاب من أقمشة ملونة غطت بها شعرها، كانت تضعها بالطريقة القروية اليمنية البسيطة.

عطش رؤوفة للتحصيل العلمي تجلى في حصولها على درجة بكالوريوس في الصحافة من مصر (1980)، ثم درجة الماجستير في الآداب في تنمية الاتصالات من “كلية فيرمونت- جامعة نورويتش” في الولايات المتحدة (1984) وأخيراً حصلت على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة باريس في فرنسا (1991). خلال هذه الأعوام كانت في سفر وتنقل دائمين، وفقت بين دراستها وعملها، وتقلدت مناصب عديدة ولكن أهمها في نظري هو أنها ساعدت على تأسيس كلية الإعلام في جامعة صنعاء في 1990 أو 1991، ورأستها لفترة بسيطة، تتلمذ على يدها معظم الصحافيين والصحافيات اليمنيات الذين دخلوا المهنة عن دراسة (كان لغالبيتهم دور في ثورة 2011).

ركزت بعدها على إطلاق حملات ومشاريع خاصة كثيرة، لزيادة مشاركة المرأة السياسية في اليمن. وقادت بنفسها حملة ترشح لمقعد في البرلمان اليمني لم تُكلل بالنجاح. إحدى صديقات الدكتورة رؤوفة تخبرني في ردها على رسالتي إليها عبر البريد الإلكتروني، حول ذكرياتهما، فتقول لي الأكاديمية الدكتورة شيلا كاربيكو: “أتذكر أن شعار حملة رؤوفة حسن الانتخابية كان يطغى عليه اللون البرقوقي. كانت المنافسة حادة في الحملات الانتخابية في 1993 وفي النهاية لم يفز أي مرشح أكاديمي بمن فيهم رؤوفة”.

تستطرد شيلا كاربيكو وتخبرني بأنها عملت مع الدكتورة في “وحدة البحوث الاجتماعية ودراسات المرأة في جامعة صنعاء” (1993-1995)، الوحدة التي أسستها رؤوفة بنفسها، وتقول شيلا كاربيكو: “تلقى المركز مضايقات وهجوم من قبل الجماعات الدينية المتطرفة في صنعاء، منهم عبد المجيد الزنداني، بحجة أن المركز يروج لأفكار نسوية ويتلقى معونات من الاتحاد الأوروبي”. بعدها اضطرت رؤوفة إلى اللجوء إلى هولندا، مع اندلاع حرب اليمن الأهلية في 1994 وكبر نفوذ الجماعات المتطرفة في جامعة صنعاء، تخبرني بذلك شيلا كاربيكو.

اضطرت رؤوفة البعد قليلاً بعد أن اشتد الوضع وواجهت حملة ضارية وتم تكفيرها من قبل المتشددين الدينيين. في لقاء رؤوفة حسن مع الأكاديمية الباحثة اليمنية السويسرية الدكتورة إلهام مانع، تعلق رؤوفة على تلك الفترة الصعبة وتقول: “أدركت أن ما قام به حزب الإصلاح (النسخة اليمنية للأخوان المسلمين) ضدي كان أكبر مني. أنا مستقلة، ليس لدي دعم من حزب سياسي أو حراك نسوي كبير أتكل عليه. أنا ظهري أنا فقط. قلت لنفسي هذه موجة لو وقفت ضدها يمكن أن توقع بي، وليس باستطاعتي سوى أن أفعل كما يفعله النخيل تجاه موجة الرياح، تخفض رأسها قليلاً حتى تنتهي الموجة ثم تقف مرة أخرى”.

خلال إقامة رؤوفة في هولندا كانت أستاذة محاضرة في عدد من الجامعات هناك، وأيضاً في الدنمارك وتونس. بعد أربع سنوات قررت العودة إلى القاهرة ومن ثم إلى اليمن. ركزت بعدها نشاطها في تأسيس “مؤسسة تنمية البرامج الثقافية” التي عملت تحت رايتها عشرات المشاريع والبرامج في كل أنحاء اليمن، ركزت مرة أخرى على حملات زيادة مشاركة المرأة السياسية. أهم نتائج تلك الحملات هي أنها نجحت في تمرير مسودة قانون إلى البرلمان اليمني، تمت بعدها دراسة مسودة القانون الذي يخصص كوتة نسائية بنسبة 15 في المئة لمقاعد نسائية في البرلمان. ولكن التيار الديني المتطرف في البرلمان عمل على عدم تمرير مسودة القانون. وعلى رغم ذلك، واصلت الدكتورة عملها مع المؤسسة من دون أي إحباط.

أتذكر جيداً كأنه البارحة، أني سألت الدكتورة مرة في نهاية 2008 خلال زيارتي للمؤسسة في يومها الأسبوعي المفتوح للعامة: “لماذا تقومين بكل ما قمت وما تقومين به؟” أجابت، “فرغة!”، ثم ضحكت. بمعنى أنها “فاضية” باللهجة اليمنية البسيطة. كانت معروفة بروح الدعابة وابتسامتها، على رغم كل اهتماماتها السياسية الجدية المعقدة.

لم يقتصر نشاط الدكتورة على اليمن فقط. في 2008 كانت رؤوفة في اجتماع في القاهرة مع أعضاء الجمعية العمومية التي كانت تعمل حينها على إطلاق المجلس العربي للعلوم الاجتماعية، وعليه كانت رؤوفة عضواً فى أول مجلس أمناء للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، الذي نعى خبر وفاتها ببيان شديد الحزن.

يذكر البيان: “لقد تركتنا رؤوفة في وقت نجح الشباب العربي- رجاله ونساؤه- في السيطرة على مقدرات حياتهم فى تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن من أجل الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية التي طالما كافحت رؤوفة من أجلها. لقد كانت رؤوفة تؤمن بالشباب العربي- تؤمن بطاقاته وقدراته. ومن نواح كثيرة، فإن هؤلاء الشباب وثوراتهم، الميراث الذي تركته لنا رؤوفة”.

عانت رؤوفة مع المرض لشهور عدة قبل اندلاع ثورات الربيع العربي. ذهبت إلى القاهرة لتلقّي العلاج، لكنها واصلت نشر مقالها الأسبوعي، وأتصور أنها كانت تكتبه من على فراش المستشفى.

كان ولا يزال يراودني سؤال لا يهدأ في داخلي: “ماذا لو كانت رؤوفة شاركت في الثورة اليمنية في 2011 وكانت لا تزال معنا اليوم؟” لا أجد الجواب، ولكنني أجد ملامحه فيآخر مقال كتبته، نُشر قبل وفاتها بأيام، تقول فيه: “هناك حالياً بعض الجُمَعْ في البلدان العربية هي موقع لبشر لديهم موقف، بعضهم للدفاع وبعضهم للهجوم، من مؤيدين أو موالين، مستقلين أو حزبيين، أحزاب حاكمة وأحزاب معارضة، ومستقلين فاض بهم الكيل فخرج شبابهم الذين لم يعد لديهم ما يفقدونه سوى أرواحهم فخرجوا للحل أو للشهادة. أما أنا، فكان لدي قلمي ورأسي اللذان توقفا معاً عن العمل حتى يأتي الفرج أو يزورني ملائكة الجنة. أودعكم وأفرغ قلمي من حبره وستسكت شهرزاد عن الكلام المباح”.

سكتت شهرزاد ولكن إرثها ما زال حيّاً. لا أتصور أن أي فرد من محيط العمل المدني التنظيمي في اليمن، لا يعرف أو لم يستقِ أي معرفة من المعلمة والكاتبة والناشطة الدكتورة. تركت أثراً محلياً وإقليمياً وبل عالمياً. تخبرني الأكاديمية الأميركية صديقة رؤوفة، ستيسي فيلبريك ياداف كيف أن رؤوفة كانت معلمة ممتازة بالدرجة الأولى، ففي أوائل لقاءاتهما كانت الدكتورة تشرح لستيسي فيلبريك ياداف عن الحراك النسوي في أميركا وأعطتها مثالاً عن “قائمة أيميلي” وهي لجنة سياسية نسوية عملت على تعزيز حق النساء في أميركا في العمل السياسي. تقول لي ستيسي فيلبريك ياداف: “لم أكن أعرف شيئاً عن ذلك، ومنذ حينها وأنا أدرِّس ذلك المثال لطلابي. الدكتورة رؤوفة نموذج مميز لنسوية آمنت بقضية النساء أينما كانوا، سواء في اليمن أو أميركا.”

اليوم وحرب اليمن تدمر أشياء كثيرة جميلة، أريد أن أقف لحظة وأحيّي ذكرى الدكتورة. لا أجد نموذجاً أهم وأكبر من رؤوفة حسن لشخصية يمنية صمدت على رغم الصعاب كلها، في سبيل النهوض بمجتمعها. أرى الإحباط يغمر كل من حولي من أفراد ومنظمات في المجتمع المدني اليمني، وأريد أن أسجل نقطة اعتراض وأقول إن هذه ليست المرة الأولى التي يعمل فيها نشطاء مثلنا في ظرف استثنائي كالذي في اليمن! على الأقل هذا ما تعلمته من التفكّر في ذكرى رؤوفة حسن. كنت ولا أزال أجد الدكتورة ملهمتي، حتى بعد سبع سنوات على غيابها.

*كاتبة المقال: أفراح ناصر